التعليم باللغة الوطنية دليل سيادة الأمة

أولا :

مشكلة الدراسة وأهميتها.

أهداف الدراسة.

إجراءات التنفيذ.

 

 

مشكلة الدراسة وأهميتها.(مقدمة)

تمثل اللغة أهــم مقومات شخصية الأمة، فهي من سماتها المميزة، وهي سجل مفاخرها، وصوت أمجادها الماضية، وصورة حاضرها بصراعاته وقضاياه وأحداثه، وهي نافذة إلى مستقبلها بآماله وطموحاته، هي فكر الأمة ووجدانها، ومرآة لمناشط الحياة في ربوعها، ولذلك فإن اللغة تعبر عن واقع الأمة، تطورا أو تخلفا، قوة أوضعفا، انتشارا أوانحسارا، صعودا أوهبوطا، ظهورا أوضمورا.

فحين تكون الأمـــة عزيزة، سيدة على مقدراتها، تعز لغتها بعزتها، وتزداد قوة ومنعة، كما تزداد اللغة انتشارا في ربوع الأرض مرافقة لموكب الأمة، حيث تكون لها المكانة الكبرى لدى كثير من الأمم، بل إن اعتزاز الإنسان بلغته يفرض عليه ألا ينطلق لسانه بغيرها إلا لضرورة تفرضها الأمة نفسها بما لا يخدش كرامتها، ولا ينتقص من مكانتها، هذه حقيقة حياة، وحقيقة أخرى، هي كلما اتسعت حضارة الأمة، وكثرت المرافق الناهضة فيها، وتنوعت نشاطات أبنائها في مختلف ميادين العمل، نهضت لغتها، وارتقى تفكيرها، وسمت أساليبها، ودقت معانيها، وصفت عبارتها، وتنوعت فيها فنون القول، وصارت لحناً ينبعث صداه في كل شبر من أرضها، بل إنها حينئذ نهر فياض، يتدفق ماؤه في كل مكان، فينشر الخصب والنماء، وينضر وجه الحياة من حوله بالجمال.

وحين تضعف الأمة، وتتوقف حركة النمو فيها، وتخمد جذوة النشاط في ربوعها، ينعكس ذلك على لغتها ضعفا وهزالا وخمولا، ولغتنا العربية شاهد على ذلك فقد كان الانتقال من تخلف الجاهلية إلى حضارة الإسلام، ومن النطاق العربي الضيق إلى الآفاق الممتدة شرقاً وغرباً، ومن العمل المحدود القاصر إلى فيض زاخر من الجد والعمل والنشاط، حيث اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتعددت صور الحياة وخصائص المجتمعات الجديدة، وتنوعت نظم الحياة ومقوماتها في كل مجتمع، ووجدت اللغة شعوباً لها تقاليدها وعاداتها، ومعالم حياتها، ولها ثقافاتها وآدابها وعلومها وفنونها، انتقلت لغتنا العربية إلى أطوار جديدة، فكان عليها أن تستوعب ذلك كله وتحتضنه، وتعبر عنه وتنشره، وفي العصر العباسي كانت الانطلاقة الكبرى للغة العربية وارتقاؤها، واتساع مداها، فانتظمت مختلف العلوم والآداب، وفتحت أبوابها لكنوز المعرفة الإنسانية من اليونانية والرومانية والهندية والفارسية، فكانت سيدة اللغات على امتداد أكثر من خمسة قرون، وما عداها كان مفتقرا إليها ساعيا إلى الاتصال بها، ينقل منها ما جمعته أو أصدرته من التراث الحضاري للإنسانية، فكانت القوة الأولى التي حركت موكب الحضارة الإنسانية إلى الأمام، وكان الغرب- وهو العدو الأول لهذه الأمة، التي تمثل المعتدى من وجهة نظره- يبعث بأبنائه إلى المدارس الإسلامية في مشرق الأرض العربية ومغربها لينهلوا من ينابيع المعرفة، نقلا عن اللغة عن طريق تعليمها، أو عن طريق الترجمة منها.

وفي عصور التخلف الذي أصاب الأمة العربية والإسلامية، بعدما منيت بالغزاة من التتار والمغول والصليبيين، وما تلا ذلك من حروب أوقدت الأطماع الاستعمارية نارها، ودامت أزماناً طويلة، وما ترتب على الاستعمار من فرض لغته على المؤسسات والدواوين في جميع الأقطار العربية انعكست آثاره على اللغة العربية، فتوقفت انطلاقتها وتقلص ظلها، وكان المفروض أن تعود إلى نشاطها وتستعيد مكانها القيادي بين لغات العالم، ولكن مع صعوبة المهمة، وطول الطريق، والعزائم التي وهنت، قنعت اللغة بالصمود أمام التيارات المعادية، ولما تحررت شعوب الأمة العربية من الاستعمار حاولت العودة إلى المكان الطبيعي الطليعي لها، ولكن الأزمات لاحقتهــا من أعدائها وربما من بعض أبنائها، وأوشك المدافعون عنها أن يلقوا السلاح، ويتركوها للمصير المتربص بها.

لقد رحل الأعداء عن الأرض العربية ولكنهم تركوا في ربوعها أثراً مازال ماثلا.. لقد حاولوا أن يشككوا حتى في صلاحية اللغة العربية للحياة.

لقد تآمر أعداء الأمة العربية والإسلامية للقضاء عليها، فحاولوا طمس معالم حضارتها ومآثر ماضيها، فبثوا في نفوس أبنائها الشعور بتقدم الفكر الغربي، والإحساس بتخلف العرب عن الحضارة المعاصرة فالعبقريات غربية وأعلام التطور غربيون وأبطال الكشوف والاختراعات أوربيون. أما العرب فلم يكن لهم ذكر عندهــم، وأيد هذه الدعاوى الباطلة جماعة من أبناء الأمة العربية تأثروا بالثقافة الغربية فهم يرددون دعاواهم وينشرون فكرهم، وقد ساعد ذلك على التطور العلمي والتقني المعاصر الذي أخضع العالم كله لسلطانه، فانعكس على كثير من شباب الأمة وقر في أذهانهم أن هناك التقدم والعلم والحياة، وهنا التخلف والجهل الخمول.

ويتحدث كثير من العلماء والمتخصصين وجمهور المثقفين عن استخدام اللغة الأجنبية في التعليم في مؤسسات التعليم العالي، وبخاصة في الكليات العملية كالطب والهندسة والعلوم، فيرى فريق منهم أن التعليم باللغة الأجنبية في بعض المواد العلمية ضرورة لا مفر منها، ذلك أن هذه المواد أجنبية المولد والنشأة بأفكارها وتجاربها ومصطلحاتها، وقد تراكمت على امتداد سنوات طويلة حتى استعصت على تناولها بأية لغة غير تلك التي أنجبتها، وأن محاولة تدريسها باللغة العربية إجراء فاشل وعبث لا جدوى من تطبيقه، حتى إن بعض الأصدقاء الذين حضروا مؤتمرا طبيا في نهاية عام 1995م أكدوا أن إيجابية المشاركة في المؤتمر كانت قاصرة على من تلقوا المواد الطبية باللغة الأجنبية وامتدت دراساتهم فوق الجامعية باللغة التي ظهرت المستحدثات الطبية بين مختبراتها وتجاربها، ونشأت في بيئاتها، واكتسبت سماتها، ولهذا فإن مجرد التفكير في تعريب هذه المواد أو ترجمتها ضرب من المخاطرة بالمادة والطالب.

ويرى فريق آخر أن تدريس هذه المواد باللغة العربية ضرورة وطنية وقومية ودينية، ويؤكدون أن اللغة العربية قادرة على استيعاب المواد العلمية واحتوائها، وأن تاريخ اللغة العربية يقدم الأدلة على قدرتها، وأن غيرنا من الأمم أصر على أن يقتصر التعليم على لغاتها الوطنية وقد نجحت تلك الدول التي أزاحت كل عقبة، وذلّلت كل صعوبة بإصرارها وإرادتها.

لقد تداعت تلك الأفكار وانتشرت فشغلت عقول المسئولين والعلماء في البلاد العربية، وتبنى المركز العربي للوثائق والمعلومات الصحية هذا الموضوع مؤملا أن يصل فيه إلى اتجاه يحقق الغاية من التعليم العالي في المواد العلمية العملية من جهة، ويحافظ على كيان الأمة ويؤكد سيادتها ويحفظ للغة العربية مكانها المأمول من جهة أخرى، فكان هذا اللقاء الكبير الذي احتشد فيه صفوة العلماء في الوطن العربي لمعالجة هذا الموضوع.

ولقد كان لي شرف إعداد هذه الدراسة المحدودة لتكون إسهاما متواضعا نرجو أن تلقى الضوء على جوانب يهم الجميع النظر فيها.

أعلى الصفحة

أهداف الدراسة:

تستهدف هذه الدراسة إلقاء الضوء على إمكانات اللغة العربية ومكانتها بين لغات العالم، ومدى قدرتها على مواكبة التطور العلمي من خلال وقفات مقصودة في رحلة حياتها، ويمكن ملاحظة الأهداف الفرعية لهذه الدراسة بالإجابة عن الأسئلة الآتية:

* هل اللغة العربية عاجزة عن مواكبة التطور العلمي وتطبيقاته المعاصرة ؟

*هل التعليم باللغات الأجنبية أصلح من بيئاتنا العربية ؟

*هل يمكن أن يحقق التعليم باللغات الأجنبية تمكن الطالب من المادة العلمية والإبداع فيها ؟

* هل التعليم باللغات الأجنبية ينتقص من هيبة الأمة وينال من سيادتها ؟

* هل تستطيع الترجمة والتعريب أن يغنيا في إقدار اللغة العربية على أن تكون أداة التعليم في المواد العلمية ؟

أعلى الصفحة

إجراءات التنفيذ:

لتحقيق أهداف الدراسة، وللإجابة عن الأسئلة السابقة قام الباحث بما يأتي:

1- الاطلاع على ما توافر من وثائق ودراسات ومؤلفات خاصة بموضوع الدراسة.

2- مراجعة الدوريات التي صدرت أو نشرت في دولة الكويت، وفي بعض الدول العربية حول الموضوع.

3- الاتصال ببعض العلماء المتخصصين والخبراء المهتمين بموضوع الدراسة وممن لهم جهود بارزة في تعليم المواد العلمية باللغات الأجنبية.

وتوقف الباحث عند الجهود التي بذلها العرب والمسلمون منذ فجر الإسلام في تحصيل العلم والمعرفة، والدوافع التي كانت وراء جهادهم في هذا الميدان، وكيف أنهم لبوا نداء اللـه تعالى لنبيه في التفكير والنظر والتأمل في ملكوت السماء والأرض ليكون الإيمان ثمرة بلوغ شىء من عظمة الخالق في خلقه، وكيف كان عكوفهم على التراث الحضاري الإنساني ونقله إلى العالم تلبية لأداء رسالة العلم بعد رسالة الإيمان، وكيف كان استغراقهم في البحث والتعمق والإبداع من نواتج الشغف بالكشف عن بعض أسرار ما أودع الخالق سبحانه في خلقه، ويسرّ الباحث أن يعرض خلاصة رؤيته في هذه الورقة المتواضعة.


إلى قائمة المحاضرات قائمة المحاضرات


للمتابعة

ثانياً إنطلاقة اللغة العربية في ظل الإسلام

صفحة عناوين المحاضرة