التعليم باللغة الوطنية دليل سيادة الأمة
ثانياً :
* يدعى أعداء أمتنا العربية الإسلامية أن اللغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثـة، ويذهب بعضهم إلى القول بأن الإسلام كان ومازال مضطهدا الفلسفة والعلم، وأنه جعل من دون الحرية الفكرية سدا في كل بلد احتله، بل لقد دفعهم الحقد الأعمى إلى ترديد ما أقرته التعليمات المريضة من أن اليونان والرومان هم مصادر الثقافة العالمية، وأن العرب بفطرتهم أعجز عن العلم، وأبعد عن التمدن ، قول لا يردده إلا الحاقدون، هذا القول حين يصدر عن أعداء الإسلام لا يضيرنا لأن مبعثه معروف فلا يرجى من عدو العقيدة أن يقر بفضل العرب على الثقافة أو يعترف بفضلهم وبصنيعهم في وضع البذور الأولى للحضارة في ربوع الأرض، لكن المؤلم حقا أن نجد لهذه الدعاوى الباطلة من يؤيدها بحماسة غريبة من بعض الأخوة في الدين واللغة . إن هناك فريقاً من صفوة العلماء الأوربيين تحرروا من حكم الهوى، وتحللوا من قيود الغرض،فأقروا بالحق، وأعادوا الفضل إلى أهله، وسوف تظل كلماتهم لمسات من الضوء في ضباب العنصرية الكثيف .
هذا هو مستوى العلماء العرب كما أوردته شهادات التقدير والاعتراف بالفضل الذي يعتز به كل عربي مسلم، فلا وجه للمقارنة بين مالدى العلماء الأوربيين وما لدى علماء العرب والمسلمين، وكيف تكون المقارنة بين من يعطي فنون المعرفة ومن يأخذها، ثم إن الثقافة اليونانية منقولة عن الفراعنة والبابليين والفينيقيين، وهم من الأصول التي ينتمي إليها العرب والمسلمون، فإذا عاد اليونانيون بها اليوم إلى العرب فإنهم أعادوا مما أخذوه بالأمس، لذلك فإن دَيْن العرب والمسلمين على الأوربيين كبير، وإنه من الضروري لأي فرد يريد أن يلمّ بثقافة عصره (يريد في القــرون الوسطى) أن يتعلم العربية، ذلك أن نهضة العرب لم تقتصر على مجال واحد، وإنما كانت شاملة ومتكاملة، روحية ونفسية وخلقية وعلمية. لقد نشأت في أوربا حركة واسعة النطاق لنقل أهم المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، وكان من أشهر من قاموا بهذه الحركة ريموند (Raymond) الذي كان مطرانا لطليطلة من عام 1130 إلى عام 1150م فقد أسس جمعية لنقل أهم كتب الفلسفة والكتب العلمية العربية إلى اللغة اللاتينية. ولما جاء فردريك الثانى عام 1215م، واتصل بالمسلمين في صقلية، اقتبس كثيرا من آرائهم ومعتقداتهم، وقد وصفه المؤرخون بأنه كان معجبا بفلاسفة المسلمـين، وكان يعرف اللغة العربية، ويستطيع أن يقرأ بها الكتب العربية ومصادرها، وبفضل فردريك ذهب "ميكائيل سكوت" إلى طليطلة وترجم مشروع ابن رشد على أرسطو، وفي القرن الثالث عشر كانت كتب ابن رشد جميعها تقريباً قد ترجمت إلى اللاتينية، وكانت أهم مراكز لتعاليم ابن رشد في جامعة بولونيا وجامعة بادوا (Padua). لقد ظلت اللغة العربية لغة العلم والمعرفة في جميع ميادين الحياة الإنسانية في الفلك والطب والزراعة والصناعة والكيمياء والحساب والجبر طيلة خمسة قرون أو يزيد، كانت خلالها سيدة لغات العالم دون منازع. فهل توصف لغة هذا شأنها بأنها عاجزة أو قاصرة ؟ إن الذين تجنوا على الإسلام، ووصفوه بأنه دين يعارض التطور العلمي، يصمون أنفسهم بالجهل، ونحن نقول لهم: لم تعرف الإنسانية دينا سماوياً أو أمة من الأمم، أو منظمة من المنظمات الدولية دعت إلى العلم وتابعت تنفيذ ما دعت إليه، ورغّبت من ينتمي إليها في طلبه من أي مكان وفي أي زمان، وأصرت على استمراره ما بقيت الحياة، سوى الإسلام، فالدعوة إلى العلم وطلبه وتعليم الناس كان الأمر الأول من اللـه تعالى إلى نبيه في أول آيات القرآن الكريم التي نزلت على سيدنا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: أقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسن من علق(2) أقرأ وربك الأكرم(3) الذى علم بالقلم(4) علم الإنسن مالم يعلم(صدق الله العظيم). كما أن كثيرا من آيات القرآن الكريم تدعو إلى طلب العلم وترفع أقدار العلماء إلى أسمى الدرجات، قال تعالى: يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجت والله بما تعملون خبير(11).(صدق الله العظيم). قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون. (صدق الله العظيم). إنما يخشى الله من عباده العلمؤا. (صدق الله العظيم). وفي الهدي النبوي الشريف تكريم لطالبه أي تكريم يقول الرسول الأمين صلى اللـه عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل اللـه له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السموات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولادرهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) "حديث صحيح". - إن الإيمان المبنى على التقليد مرفوض في الإسلام، لأن الإيمان عقيدة، ولا تقبل إلا عن طريق الاقتناع، وسبيل الاقتناع هو العلم المبنى على النظر، والتأمل، وإعمال الفكر، وليس العلم الذي يكتسبه الفرد مستمعا أوقارئا، بل هو استطلاع ما في الكون من آيات قدرة اللـه، ودلائل عظمته التي لا يمكن أن تصدر إلا عن طريق الخلاق العظيم، عن طريق الوقوف عند أعظم ما خلق اللـه في السماء والأرض وما بينهما، وما أبدع فيهما، والوقوف عند أدق مخلوقاته، وعن طريق الوقوف بالعقل والوجدان عند دورة الحياة للخلق، والحركة الدائبة في الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم، في البر والبحر، هذه الحركة المنتظمة الدقيقة، الوقوف المتأمل المتبصر في الكون والحياة، ثم العودة إلى القرآن الكريم ليتدبر المرء قول الحق تبارك وتعالى: والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم(38) والقمر قدرنه منازل حتى عاد كالعرجون القديم(39) لاالشمس ينبغى أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون(40). (صدق الله العظيم). والله الذي أرسل الريح فتثير سحاباً فسقنه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور(9). (صدق الله العظيم). كثيرة تلك الآيات الكريمة التي تصور حركة الحياة ودورانها وتجددها في كل شيء دون توقف، هذه الصنعة من يدبرها ويسخرها وينظمها ويحقق لها التوازن ؟ ثم هي جميعاً تلتقي في موكب التسبيح لله سبحانه وتعالى. أما اللغة العربية فهي لغة القرآن الكريم، وما من مجتمع على وجه الأرض قدر له أن يفتح أبوابه لدعوة الإسلام إلا أحس من آمن من أبنائه بحاجته إلى تعلم اللغة العربية لتكون له عوناً على قراءة القرآن وفهمه والتعبد به فعكف المسلمون من كل جنس ولون على اللغة العربية يتعلمونها ليتفقهوا في الدين الإسلامي، ولقد جعل اللـه تعالى للنسيج اللغوي العربي خصوصية لا يمكن أن يحسها المرء في غير اللغة العربية، جمالا، وبياناً وإيقاعــا، لذلك لم يكن للترجمة أن تؤدي جزءا مما امتاز به النسق اللغوي القرآني من جمال، فجانب التأثير القرآني لا يتحقق بغير اللغة العربية. حقائق لا سبيل إلى إنكارها:
لقد كانت الدعوة إلى العلم قبل الدعوة إلى إبلاغ رسالة الإسلام، فقد نزل قوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". في أول لقاء بين وحى اللـه تعالى وسيدنا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم .؟ ثم نزل قوله تعالى: يأيها المدثر قم فأنذر. ثم توالت آيات القرآن الكريم داعية إلى طلب العلم، مرغبة في الاستزادة منه مبينة فضل العالم ومنازل العلمـاء، وأدرك المسلمون أن هناك دواعي قوية وراء هذا النــداء القرآني لطالب العلم، منها:؟
الأولى- حركة الترجمة: لما كانت غاية الإسلام توجيه العالم إلى سبيل الارتقاء، فقد انطلق أبناؤه إلى كل تراث يمكن أن يكون إحدى دعائم التطور المعرفي لخدمة المجتمعات في ظل الإسلام، وقد تبنى الخلفاء المسلمون هذا التوجه باستدعاء العارفين باللغات القديمة، القادرين على نقل كنوز المعرفة من اليونانية والرومانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية، لم يفرقوا بين جنس أو دين، ولكنهم تعقبوا رجال الفكر والعلم باللغات التي ضمت خزائنها شيئا من التراث الإنساني، وقد بنى المأمون دار الحكمة فكانت مجمعا علميا، ومرصدا فلكيا، ومكتبة عامة، يأوي إليها كل طالب للمعرفة، وقسمت إلى مجالس للمترجمين بحسب لغاتهم، وتوافرت لهم مطالب الكتابة وأجريت عليهم الأرزاق، كما كانت منتدى للعلماء في مختلف العلوم والفنون، في الطب والفلك والجغرافيا والحساب والكيمياء، بالإضافة إلى الفلسفة وعلوم اللغة وعلوم الدين، ولم يكد القرن التاسع الميلادي يشرف على نهايته حتى كان المسلمون قد ترجموا إلى اللغة العربية معظم ما خلفته جهود العلماء والحضارات القديمة. وانتشرت الترجمة في جميع الأمصار الإسلامية ليس على مستوى الأمراء والحكام فحسب، بل على مستوى الأثرياء من الأفراد كذلك. لم يكن المسلمون نَقَلة كما يزعم المتعصبون من الفرنج، وإنما كانوا في بحثهم عن المعرفة، وسعيهم وراء التراث الحضاري ذوي نظرات متأملة، وأفكار متعمقة، لم يتركوا شيئا من ذلك الــتراث إلا تناولوه بالنظر والتحليل والتقويم، فخلصوا العلوم من الأوهام والخرافـات، ونقوها من الأهواء، ووضعوها في منظومة علمية كبرى بلغت ثلاثمائة علم، كما أحصاها (طاشكيري زادة) في كتابه (مفتاح السعادة). لقد كانت الثقافة الإسلامية نتيجة العقيدة الإسلامية، فإن هي اتجهت إلى الاستعانة بالعلوم اليونانية أو الثقافة الفارسية أو الهندية فلأن الدين حملها على ذلك، وطلب منها أن تطلب العلم حيث كان، ومن أي كائن كان، لقد بذر الإسلام في نفوسهم بذوراً تأصلت فيهم، فكانوا إذا اقتبسوا من أي ثقافة لم يكونـوا مقلديـن فقط، بل كانوا دائما يعملون العقل فيما نقلوا، ويحكمون العقيدة فيما قرءوا، فإذا نظرنا إلى كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد، رأيناهم ينقدون ويزيدون، ويمدون كل شيء أخذوه بروح من عندهم، فكان لثقافتهم طابع خاص، وسمة تعرف بها. لقد أصبح العقل العربي في العصر العباسي عقلاً متفلسفا، كما أصبح عقلا علمياً، لامن حيث فهمه وفقهه بعلوم الأوائل، بل أيضا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة، حتى ليضيف علوما لأول مرة في تاريخ الحضارة الإنسانية، على نحو ما أضاف الخوارزمي في علم الجبر، وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمي، وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثاني الهجري. |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الثانية، حركة التأليف: بعد أن درس العلماء المسلمون ما نقلته حركة الترجمة من مختلف العلوم إلى اللغة العربية، وبعد عكوف كثير من المسلمين من غير العرب على تعلم اللغة العربية وإجادتها، وبعد التطور العلمي الذي انتشر في جميع العواصم العربية والإسلامية، اتسعت صدور العلماء وعقولهم لكثير من العلوم والمعارف، فبدأت حركة التأليف بجد ونشاط ورغبة، لا تقل عن حركة الترجمة، بل زادت عليها، وقد اتضحت من متابعة النشاط العلمي الدلالات الآتية:؟ |
|
تناول المؤلفات القديمة بالشرح والتفسير والاختصار والتقويم في ضوء العقل والمنطق من ناحية، وفي ضوء قيم الإسلام وهدي القرآن الكريم والحديث الشريف من ناحية أخرى.؟ |
- |
الانطلاق في مجال التأليف في مختلف العلوم والفنون سواء في المجالات المألوفة لدى الباحثين والعلماء أم في مجالات جديدة لم تطرق من قبل. |
- |
الاتـجاه نحو العلم التطبيقي والتجريب الذي كان من ثمراته فتح آفاق جديدة أمام العلماء، فتعددت فروع العلم والمعرفة، فظهر الرواد المسلمون في جميع المجالات، ولمعت أسماء العباقرة العرب الذين طبقت شهرتهم الآفاق، ونبغ في كل فن وعلم عشرات الأفذاذ من أبناء الأمة، وانتقلت كتبهم وبحوثهم إلى اللغة اللاتينية، وظلت أكثر من ستة قرون منارات يهتدي بها السائرون في دروب المعرفة، فهل كان ذلك لأنهم نقلوا عن القدامى من اليونان والروم ؟ ولماذا لم يأخذ هؤلاء تراث أجدادهم ويبنوا به حضارتهم الحديثة ؟ لو كان قصارى ما فعله المسلمون هو النقل لما كان لهم بذلك هذا الثقل التاريخي، ولكنهم درسوا وأنشؤا وابتكروا وبثوا من روحهم المبدعة، لقد بدأ علماء أوربا يبحثون نواحي تأثير الثقافة الإسلامية في الثقافة الأوربيــة وكان آخر ما أظهروا في هذا الباب، كما ذكر الأستاذ أحمد أمين، كتاب ما خلفه الإسلام( Legacy Of Islam ) تناول فيه كاتبه أثر الثقافة الإسلامية في الجغرافيا والتجارة وفي القانون والاجتماع والفن والعمارة والزراعة وفي الأدب والتصوف وفي الفلسفة وفي الطب والعلوم والرياضيات وهذا البحث وإن كان آخر ما ألفوا، لكنه أول ما اكتشفوا من طريق يشرف على آثار قيمة ضخمة لا تزال تنتظر مكتشفين أبعد مدى، وأقوى على تحمل مشاق الطريق.؟ |
- |
ويتساءل الأستاذ أحمد أمين:؟ |
|
هل كان العالم يستطيع أن يقف على درجة السلم التي يقف عليها الآن لو لم تكن مدنية الإسلام؟ |
- |
هل كانت النهضة الأوربية الحديثة تحدث في الزمن الذي حدثت فيه لو لم ترتكز على المدنية الإسلامية؟ وماذا يقول المنكرون في هذه العلوم الغريبة التي أنشأها العرب والمسلمون حول دينهم من تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والأصول، وما وضعوه من علوم النحو والصرف والبلاغة والأدب؟ ساروا به على منهج خاص ليس لدى اليونان ولا غيرهم علم به، لقد نظم الأوربيون حركة للترجمة استهدفت نقل العلوم العربية إلى اللاتينية وشيدوا مدارس للترجمة على نحو ما ذكرنا قبل ذلك.؟ |
- |
لقد قدم المسلمون هذا الحشد العظيم من العلوم والمعارف ما كان لأمة أن تقدم مثله في أضعاف الزمن الذي استغرقه الرواد في تأليف هذه الأعمال، فما سر ذلك؟
|
|
لقد عشقوا اللغة العربية حتى امتزجت بوجودهم وصارت جزءاً من كيانهم لكونهـا لغــة القرآن، وسبيل صلتهم بـه، وفهم آياته وأداة ارتباطهم بعلوم الدين، فالداعي إلى حب اللغة هو العقيدة، ولو كان الهدف غير ذلك، لم يكن بمقدور أحد أن يبدع فيها وعن طريقها، بدليل أن كثيراً من غير المسلمين كانــوا يحفظون القرآن ليستفيدوا من أسلوبه، ويتعلموا منهجه في التأثير والإقناع.؟ |
1 |
إن أعظم ما يتميز به العالِم هو الاعتراف بعجزه وجهله أمام أسرار العلم التي أودعها اللـه تعالى هذا الكون ولذلك كان تواضع العلماء ورغبة الاستزادة التي ملكت عليهم أنفسهم، وإلا فهل يعقل أن تبلغ تصانيف بعض المؤلفين بضع مئات من الكتب والشروح والرسائل، وإن من المؤلفات ما يقع في عشرات المجلدات، فلأبي عبيدة مائتان، ولابن حزم أربعمائة، وللقاضي الفاضل مائة، وجاء في فتح الطيب أن مؤلفات عبدالملك بن حبيب عالم الأندلس قد زادت على سبعمائة، وأن ابن النفيس قد أعد العدة لوضع موسوعة في مائتي مجلد، فلم ينجز منها سوى ثمانين وأدركته منيته، لذلك لا نرى كبير مبالغة إذا علمنا أن بعــض المكتبات التي اقتناها محبو العلم من الخلفاء والأمراء زادت على المليون مجلد، على أن توالي المحن لم يترك للعصر الحديث من هذه الكنوز سوى ثلاثين ألفا.؟ |
2 |
لقد أخلصوا للعلم فوهب اللـه لهم ما هو فوق العلم، لقد آتاهم اللـه الحكمة التي تميزوا بها عن غيرهم من العلماء فرأوا مالم يره غيرهم، وبلغوا ما قصر دونه سواهم، لقد رأوا هذا الكون ببصائرهم فاتحدوا بأسراره، وامتزجوا بأعماقه وخرجوا على العالم بما لم يألفه من قبل، فمن كان يظن أن عمر بن الخطاب الذي عاش في الصحراء لم ينل من العلم إلا النذر اليسير، تصدر عن عبقريته ما يسوس دولا ضربت في أعماق الحضارة وهو البدوي الذي عاش في مكة يدبر أمور دولة امتدت لتنتظم أعظم دول العالم القديم الفرس والروم، ومن كان يظن أن خالد بن الوليد يذهل العالم في عصره بفنون الحرب، إنها رؤية البصيرة التي بلغت حد الإلهام من اللـه تعالى.؟ |
3 |
بهذه الدفعة الإيمانية العريقة يهتف القائد العربي: واللـه لو أعلم أن وراء هذا البحر يابساً لخضته في سبيل اللـه، وبهذه القوة الإيمانية يهتف الشاعر العربي مصورا دهشة الفرنج حين وثب طارق بن زياد من على ظهر السفينة فوق الجزيرة الخضراء.؟
|
|
ويسـائلون بك الــبروق
لوامعـاً |
والموج في الإزبــاد والإرغاء |
لقد شغف المسلمون بالعلم حتى أصبح طلبه جزءا من كيانهم، والاستزادة منه ضرورة حياة لهم، فكان فريق منهم يقومون عائدهم اليومي من الحياة على قدر ما حصلوا من معارف، وكان بعضهم يقضي في المكتبة في داره طول يومه وجزءا كبيراً من ليله، ويحدثنا التاريخ عن استئجار بعض العلماء المكتبات من أصحابها ليقضي فيها أياماً يقرأ مالم يتيسر له من كتب في بعض المواد، وكان يجتهد في أن ينجز ما يريد في الفترة المحددة، وبالمبلغ الذي دفعه مقابل إقامته في المكتبة، كما يحدثنا التاريخ أنه لما أذيعت عمليات إحراق كتب الــتراث علـى أيدي الغزاة من المغول والصليبيين والفرنج في الأندلس، كان العالم حين يبيت النية على الفرار من القتل يحرص على حمل ما استطاع حمله من كتب كحرصه على أخذ نفائس ما اقتناه من حلي ومجوهـرات، وبمثل حرصه على شرفه وعرضه، بل إن هناك حكايات تروى من مصادر مختلفة تعد من قبيل الغرائب أو العجائب. حكى ابن بطلان عن شيخه أبي الفرج الطيب قال: بقيت عشرين عاما في تفسير مـا بعد الطبيعة، أحد مؤلفات أرسطو، وحكى ابن سينا نفسه قال: قرأت ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة، وصار لي محفوظاً، وأنا مع ذلك لا أفهمه، ولا المقصود به، ويئست من نفسي، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلاّل مـجلد ينادي عليه، فعرضه علي، فرددته ردّ متبرم، معتقداً أنه لا فائدة من هذا العلم (يعني ما بعد الطبيعة)، فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص، أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه، فاشتريته، فإذا هو كتاب لأبي الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، فرجعت إلى بيتي، وأسرعت في قراءته فانفتح علي في الوقت نفسه أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد صار محفوظاً لي عن ظهر قلب، وفرحت بذلك، وتصدقت ثاني يوم بشيء كبير على الفقراء شكرا للـه تعالى. لقـد كانت هذه الرغبة صورة مصغرة لرغبات الأمراء ووجهاء المجتمع في العلم، لقد كاد بيت المال أيام المأمون تنفذ خزائنه من كثرة ما كان يدفع أجراً للمترجمين، فقد روي أن جبريل بن بختيشوع طبيب هارون الرشيد والبرامكة والمأمون قد جمع ثروة تقدر بـ ثمانية وثمانين مليوناً وثمانمائة ألف درهم أي نحو 7104000 سبعة ملايين ومائة وأربعة آلاف دولار، أما حنين بن إسحاق فقد كان يتقاضى وزن ما يترجم ذهباً، ولما كان الرجل نحيلاً وحريصاً على نمو ثروته، فقد كان يكتب بخط كبير الحجم، كما كان يكتب على لوحات ثقيلة، ولا غرابة في هذا المسلك فيما وصلت إليه أمة الإسلام في ذلك العصر من عز ومجد حضاري وثقافي واجتماعي كان نتاجاً طبيعياً لحصيلة العلم والرغبة في المعرفة، ويكفي دلالة على ذلك أن المسلمين قد حصلوا منــذ بداية القرن الثالث للهجرة مالم يصل إلى بلاد الفرنج إلا بعد أربعمائة عام (1)فما الذي غرس في المسلمين هذه الرغبة، وملأ نفوسهم بالشغف بالكتب؟ |