د.إيهاب عبدالرحيم
رئيس قسم التأليف والتعريب - أكمل
سيحدث هذا المشهد في غرفة عمليات قريبة منك في المستقبل القريب؛ يقوم إنسان آلي ربوط Robot يتم التحكم فيه عن بعد بإجراء عملية جراحية على مريض فعلي، بينما يقوم الجراح البشري-والذي يبعد أميالا- بالبضع بمهارة من خلال مباضع افتراضيةVirtual Scalpels
يصف الجراحون عمليه استئصال المرارةCholecystectomy بمنظار البطن Laparoscope كونها عملية روتينية؛ فهي عملية تجرى 600.000 مرة سنويافي الولايات المتحدة وحدها. وتبدأ العملية بنفخ البطن Insufflation ثم يخترق جدار البطن مرة ثانية باستخدام ثلاثة مبازل Trocars طويلة. وبعد ذلك يقوم الجراح بإمرار منظار البطن - وهو أساسا عبارة عن كاميرا تعمل بشبات Chips الحاسوب - من خلال أحد المبازل ليمكنه أن يرى على شاشة تلفازيه ما يفعله بجسم مريضه. ويقوم المساعد بإمرار آلة ذات مقبض طويل عبر مبزل ثان يمسك بها الكبد برقة ويبعده عن مجال رؤية المرارة؛ بينما يعمل الجراح من خلال المبزل الثالث، فيبدأ بالمبضع، لقطع النسيج الضامC.T المحيط بالمرارة؛ ثم قطع الشريان والقناة المراريين بمشبك رابط Clip ligator وبقطعهما ينتهي الجزء الأكبر من العمل،إذ يمكن بعد سحق أية حصوات قد يجدها الجراح داخل القناة المرارية أن يتم رشف Aspiration المرارة المنكمشة، عبر المبزل الأجوف،إلى الواقع الصعب للعالم الخارجي، ويمكن للمريض، الذي يخلو جسده من الندوب تقريبا، أن يعودإلى بيته في اليوم التالي.
وتعتبر تلك العملية عادية في مجملها، لكنها لا تخلو من الصعوبات - فهناك فقدان للرؤية المجسمة إذأن الرؤية التلفازية ثنائية الأبعاد فقط، كما أن جراحة المناظير تتسم بكونها صعبة ومربكة. وهناك الكثير من التخصصات الجراحية الأخرى التي ستفتح أبوابها للتقنيات المستخدمةفي جراحات مناظير البطن - والتي تعرف عموما بجراحات التنظير -Endoscopy إذا لم تتطلب تلك مستويات من المهارة اليدوية لن يصل إليها أي من الجراحين مهما كان. ومع وجود هذه العقبة ماثلة في الأذهان، اتبع الباحثون في الولايات المتحدة تقنية جديدة تمكن الجراح من التحكم في آلات جراحية يبدو أنها تمتد إلي صورة ثلاثية الأبعاد لجسم المريض، في حين تترجم الحواسيب بدقة حركات الجراح إلى أفعال موازية لآلة تحرك بمهارة أدوات جراحية حقيقية داخل جسم مريض من لحم ودم. ويمكن تجزئة كل ما تحتاجه هذه العملية-من حركة يد الجراح، إلى الإحساس بمرور المبضع على الأنسجة الشحمية،إلى صورة البطن سواء من ناحية المشاهدة البصرية، أو من خلال الأشعة السينية، أو التصوير بالرنين المغنطيسي، أو الأشعة المقطعية المحوسبة إلى تيار من المعلومات الإلكترونية التي يغذى بها الحاسوب، والذي يقوم بدوره بإعادة تشكيلها في مكان آخر.
وتقوم الهيئات البحثية حاليا باستثمار بلايين الدولارات سنويا على أبحاث وتطوير تلك التقنيات المتقدمة، كما ظهر علم جديد أطلق عليه اسم جراحات "التواجد عن بعد" Telepresence ،ربما للافتقار لأسماء أفضل. ويفضل البعض أن يطلق عليه اسم "مستقبل الطب" حيث يجمع بين تقنيات الحاسوب، والربوطيات Robotics وسائل اتصال الألياف البصرية، والواقع الافتراضي Virtual Reality ، ووسائل التشخيص الطبية المتطورة، وبين الجراحة.
ويمكن للجراحين أن يحاسنوا من مهاراتهم بالتدريب على أجهزة محاكاة جراحية Surgical Simulators تعمل على أجساد بشرية "افتراضية" يتم تصنيعها بواسطة الحاسوب؛ كما سيكون بوسعهم إجراء عمليات جراحية على مرضى يبعدون عنهم بمئات الأميال من خلال أطراف آلية؛ وستكون خبراتهم متاحة عبر الطريق السريع للمعلومات Information Superhighway للأطباء المحليين، وللعيادات الطبية في المناطق النائية، وحتى في ساحات القتال.
ويعتمد هذا التحول الطبي الأساسي، وهو ترقيم digitization جميع المعلومات الطبية- مثل الأشعة السينية والتحاليل المخبرية وضغط الدم، على أساسين تقنيين؛ أولهما تعزيز الواقع،أو "تمكين الجراح من الرؤية بدقة تحاكي الأشعة السينية" - بمعنى أن تؤخذ معلومات التصوير بالرنين المغنطيسي أوالأشعة المقطعية للمريض، ثم تعالج رقميا وتدمج بالأبعاد الثلاثية في تلك المعلومات البصرية التي يدركها الجراح. أما الأساس الثاني، فهو تحسين الأداء Performance Enhancement، حيث المحك الحقيقي للقوة التقنية لهذه الثورة الجراحية؛ فبدلا من إتاحة المزيد من المعلومات للجراح، يقدم مجال تحسين الأداء مهارات تفوق مهارات البشر في صورة أجهزة آلية يتم تشغيلها عن بعد.
ومن الأمثلة الحية على تلك الأجهزة الحديثة، سنتناول الجهاز الذي طورته شركةSRI International في ولاية كاليفورنيا، والذي يهدف إلى تحويل جراحات المناظير من عمليات محدودة وضيقة إلى عمليات تتم بدون جهد يذكر، ولتحقيق هذا الهدف، تأمل الشركة في إيجاد نوع من "الوهم البصري"Optical Illusion من القوة بحيث يتخيل الجراح أنه يجري عمليته على بطن مفتوح حقيقي؛ مع كونه سيعمل -في واقع الأمر- من خلال آلات متصلة بحاسوب يترجم حركاته ويتحكم في جهاز تطلق عليه الشركة اسم "المنابل عن بعد" Telemanipulator ، وهوالذي سيقوم بالجراحة الفعلية على المريض.
ويتكون الجهاز، جزئيا، من منظار بطني يستخدم آلتي تصوير تعملان بشبات Chips الحاسوب، بدلا من عيني الجراح، للحصول على صورة مجسمة للمنظر داخل البطن. ويتم عرض المعلومات الرقمية على شاشة تلفازيه مثبتة فوق مستوى رأس الجراح، وتنعكس من خلال مرآة موجودة قرب الوضع الطبيعي للمريض الفعلي، كما يمتد مقبضا آلتين جراحيتين من تحت المرآة؛ هما في الواقع مجرد نصفين لآلتين جراحيتين تتصلان "بطاولة الجراحة" عند نقطة ما أسفل المرآة؛ أما النصفان الآخران فيتصلان "بالمنابل عن بعد"، وينغرسان عبر المبزل في جسد المريض الفعلي، وهما يبدوان على شكل صورة من المرآة.
ويبدو ما يراه الجراح عندما ينظر لأسفل، كما لو كان الآلة الجراحية بكاملها، وعندما يلمس شيئا ما، فإنه يحس بمقاومته. وتقوم خوارزمية Algorithm حاسوبية بتحويل حركة هذه الآلة "المسيطرة" - كما يتحكم بها الجراح -إلى اتجاهات يقوم بتنفيذها "العبد" جهاز المنابل عن بعد، ولهذا تقلد الآلة التي يتحكم بها المنابل عن بعد، حركات تلك التي بين يدي الجراح بدقة متناهية. وترسل مجسات Sensors التوضع والقوة، والموجودة في الآلة الحقيقية، تلك المعلومات الخاصة بالتوضع والقوة من خلال الحاسوب؛ والذي يترجم هذه المعلومات بدوره إلى أحاسيس يمكن أن يشعر بها الجراح من خلال مقبضي نصف الآلتين الجراحيتين بيديه. ولم يتم استخدام هذه الآلات في جراحات فعلية حتى الآن، لكن الجراحين المتدربين على دمى تشبه المرضى من البشر يرون أن "الوهم" الذي تخلقه تلك الأجهزة مقنع لدرجة أنهم حاولوا الوصول إلى صورة البطن المنعكسة، في محاولة منهم لاستخدام اليد الحرة للمساعدة في إجراء الجراحة.
ويمكن أن تستخدم مثل تلك الآلات خارج غرف العمليات أيضا، مثل العمليات الحربية، إذ تحدث أغلب الإصابات في الصفوف الأمامية للقتال،إلا إن نحو نصف هؤلاء لايعانون من جروح مميتة، بل يموتون انتظارا لأن يجدهم أحد، أو لأن حالتهم المرضية تتفاقم أثناء نقلهم للخطوط الخلفية، حيث تتوافر الرعاية الطبية. ويمكن، من خلال تقنيات التواجد عن بعد، أن يجري الأطباء الموجودون في المستشفيات العسكرية المركزية عملياتهم بسرعة لإنقاذ حياة الجنود المصابين وهم بعد في الخطوط الأمامية للقتال.
ويعد توسيع النطاق الفعلي للجراحة، وزيادة التوافق بين اليد والعين، من طرق تحسين الأداء في مثل تلك الجراحات الحديثة. وقد بدأ العلماء قبل ست سنوات في البحث عن طرق للتحكم الإلكتروني في الآلات المستخدمة في الجراحات المجهرية Microsurgery ومن ثم فقد استطلعوا آراء الجراحين عن تلك العمليات الجراحية التي يودون إجراءها، لكنهم لايستطيعون- فعليا. وقد رأى أطباء الأذن أنهم يودون لو تمكنوا من الجراحة على القنوات نصف الدائرية Semicircular canals إلاأن تلك القنوات متناهية الصغر؛ بينما يعاني جراحو العيون من صعوبات في الجراحة المباشرة على سطح الشبكية Retina أما جراحو الأعصاب فقد تمنوا لو استطاعوا الجراحة على قاعدة الدماغ، غير أن ذلك أمر غاية في الصعوبة.
ولتنفيذ تلك المتطلبات، صنع باحثو مختبر إطلاق الصواريخ في باسادينا، كاليفورنيا، أداة صغيرة الحجم مكونة من جزئين؛ أولهما صندوق من الألمنيوم يبرز منه مقبض الآلة-المسيطرة- والذي لايزيد حجمه عن قلم كبير الحجم. أما الذراع -العبد- فيبرز من صندوق آخر يزيد عن الأول قليلا في الحجم. ويبلغ قطر الذراع نحو 7.5سم، بينما يبلغ طوله 15سم، كما يزود بسبعة مفصلات لتمكينه من محاكاة أية حركة بشرية مهما كانت طفيفة.
ومن مميزات الجهاز الجديد أنه يحسن من مجال رؤية الجراح لساحة العملية، وبالتالي من دقة العمل؛ إضافة إلى أن الحاسوب يمكنه استشعار الاهتزاز اللاإرادي الذي تتعرض له أيدي حتى أكثر الجراحين ثباتا، وبالتالي يزيله من الإشارة الواصلة إلى الذراع المنفذ للآلة. وبذلك يقوم الذراع بتنفيذ الجراحة بثبات وهدوء لايمكن لأي إنسان أن يصل إليه. ويمكن للجراح أيضا أن يقوم ببرمجة الجهاز بحيث لايتعدى أية حدود يقوم هو بتغذيته بها مسبقا، كأن يحدد للجهاز ألا يتعدى عمق 100 ميكرون في تشريحه لعضو ما، على سبيل المثال.
وفي معهد ماساتشوستس للتقانة (MIT) يقوم الباحثون بتطوير أفضل آلات التدريب على الجراحة عن بعد؛ وقد اختاروا مجال جراحة العين ميدانا له.
ويتكون الجهاز من جراح ( سيد - عبد ) يعتمد تقنية الحضور عن بعد، إضافة لرأس مكون من زوج من النظارات الخاصة وسماعتين " ستريو - Stereo ، يرسل إشاراته للجراح البشري الذي يجلس في مستوى أعلى قليلا من "الجراح" الآلي. ويتحكم الجراح البشري في مجال الرؤية، إذ يرتدي مجسات للتوضعPosition sensors مثبتة في جهاز للواقع الافتراضي يعتمره الجراح؛ وترسل هذه المجسات معلوماتها إلى آلتين محوسبتين للتصوير في رأس الستيريو؛ فيقوم الجراح البشري بتأدية الحركات برأسه؛ فيقوم الرأس "العبد" المزود بآلة تصوير بمحاكاة الحركات ذاتها، موفرا للجراح رؤية ملونة مجسمة لما يراه. أما أفضل مميزات ذلك الجهاز، فهي سرعته الفائقة؛ إذ يستطيع كل من الرأس والجراح الآليين الحركة بسرعة تفوق سرعة العين البشرية ذاتها؛ إذ يمكن للعين البشرية السريعة أن تتحرك في مدى لا يتجاوز 800-900 درجة في الثانية الواحدة، بينما يتحرك الجهاز في مدى 2000 درجة في الثانية الواحدة. ونتيجة ذلك أن الجراح البشري، الذي يقوم بالجراحة عن بعد، والذي يرى عين المريض كما يراها الجهاز، سيجد هدفا ثابتا للجراحة. ولذلك يمكن أن تمتد الاستخدامات المستقبلية للجهاز الجديد، لكي تشمل إجراء العمليات الجراحية على جندي مصاب أثناء القتال وهو لا يزال داخل سيارة الإسعاف المنطلقة بسرعة، كما يمكن أن تشمل جراحات القلب المفتوح أيضا ؛ فنظرا لاستحالة العمل على قلب نابض، يضطر الجراحون إلى إيقاف القلب وتخطيهBypass) ) قبل الشروع في الجراحة، ولذلك لو تمكن العلماء من تطوير ربوط جراحي يقوم بتوصيل صورة ثابتة للقلب النابض للجراح، سيقوم بعمل الجراحة كما لو كان القلب متوقفا بدون الحاجة لإيقافه فعليا.
ومهما كان الأمر، فمن الواضح أن الجراحة بسبيلها للتغير بصورة جذرية. ففي المستقبل القريب، ستمتلك المستشفيات النائية وحتى عيادات الأطباء ربوطات جراحية يتم تشغيلها عن بعد، كما سيتمكن الاختصاصيون من إجراء الجراحات على مرضى يعالجون في مستشفيات تبعد عنهم بمئات الأميال.
ويتخوف بعض الجراحين من أن جراحات التواجد عن بعد لن تكون متاحة سوى لعدد قليل من العمليات الجراحية الشديدة التخصص، مثل جراحات المنظار البطني، كما تثير مخاوفهم أيضا تلك المشكلات الأخلاقية Ethical والتقنية التي يتوجب حلها قبل السماح بإجراء العمليات الجراحية بدون وجود الجراح. فما الذي يمكن أن يحدث إذا أصيب الجهاز بخلل، أو إذا توقف الجراح البشري عن العمل بصورة فجائية لأي سبب محتمل ؟ وحتى يتم التوصل لحلول لتلك المشكلات، يستمر الباحثون في تطوير أجهزتهم من ناحية، بينما يستمر الجراحون البشريون في العمل، حتى إشعار آخر.
Bibliography :
-Silicone Mirage: The
Art & Science of Virtual Reality. Steven Aukstakalnis and David Blatner. Peachpit
Press, 1992
-Virtual Works: Real
Challenges . Papers from SRI ‘s 1991 Conference on Virtual Reality. Teresa Middleton
(Ed.), Mecklar Publishing, 1992.
Surgery in Cyberspace.
By Gray Taubes, Discover,Vol.15, number 12.
|