تـقـرير عـن حـالـة : الشكـل الطفلي لمـرض جـوشـــر
Case report: Infantile Type of Gaucher's Disease

د. عبداللَّه أحمد نبع
أستاذ مساعد في كلية الطب البشري


تمهيد:

الفحص عند الدخول إلى المستشفى:

الفحوصات المخبرية :

مراقبة الحالة بعد الخروج من المستشفى:

المناقشة:

التشخيص:

العلاج:

الوقاية:

 

* ملخص:

 

مرض جوشر (Gaucher's disease)من ضمن الأمراض المسماة بالشحام السفينجولي (Sphingolipidosis), وهو مرض نادر ينتقل بصفة صبغية جسدية متنحية(Autosmal recessive).ولقد وصفت عدة نماذج لمرض جوشر:

النمط الأول (I) : أوالشكل البالغ المزمن.
النمط الثاني (II): أو
الشكل الطفلي الحاد.
النمط الثالث (III): أوالشكل اليفعي تحت الحاد.

وعلى الرغم من كل هذه المسميات, إلا أنها لا تعكس دائماً عمر المريض أو زمن ظهور المرض. وبسبب ندرة مرض جوشر و تعدد مظاهره السريرية, يعتبر من الأمراض صعبة التشخيص. ونستعرض فيما يلي حالة طفلة أبدت ضخامة كبدية وطحالية مع فقر دم وتأخر بالنمو ومظاهر عصبية. وبعد الاستقصاءات تبين أنها مصابة بالشكل الطفلي لمرض جوشر. و نقوم من سياق النص بدراسة مختلف الصفات الوراثية والسريرية والبيولوجية للمرض, إضافة إلى ما تم التوصل إليه بمجال التشخيص و العلاج.

 

 

* تمهيد:

 

الشحميات السفينجولية هي شحوم سكرية مشتقة من السيراميدات (Ceramides), لذلك فهي تـدعـى بشكل أدق الجليكوسفينجوليبيدات, وهي إمـا متعادلة الشحنـة أو سالبة "حامضة" والجليكو سفينجوليبيدات المعتدلة هي السيريبروزيدات (Cerebrosides). وهي سكريات أحــاديــة سيراميـدية تحوي إضافة إلى السيراميد على جزيء جلوكوز جلاكتوز. فهناك الجليكوسيريبروزيد (Glycocerebroside), والجلاكتوسيروبروزيد (Galactocerebroside). وكما يشير الاسم, فهي تتواجد بشكل أساسي في الدماغ والنسيج العصبي المحيطي, وتدخل كذلك في تركيب الغشاء الخلوي وتلعب دور المستقبلات على الخلية الجسمية, ولها دور كذلك في عملية النمو و التطور. وفي الأشخاص الأسوياء تكون عملية تدّرك (Degradation) وتصنيع الشحوم السفينجولية متوازنة و كميتها بالأنسجة ثابتة. إن وجود عوز بواحد من إنزيمات الهيدرولاز النوعية المطلوبة في عملية التدرك يؤدي إلى تراكم الشحوم السفينجولية غير المستقلبة في خلايا الجهاز الشبكي البطاني (RES), مما يؤدي إلى ظهور الأعراض الخاصة بأمراض الشحميات السفينجولية.

عرض الحالة:

طفلة عمرها سنة أدخلت مستشفى الأسد الجامعي بشكوى حمى شديدة (40.5 درجة مئوية) وتأخر بالنمو.

التاريخ المرضي:

ولدت الطفلة بالمنزل بعمر حملي 9 أشهر ولادة طبيعية دون أية مضاعفات. لم تصب الأم بأي مرض ولم تتناول أي دواء طول فترة الحمل, القرابة بين الأم والأب درجة ثانية. أرضعت الأم طفلتها منذ الولادة وكان نموها وتطورها طبيعيين حتى عمر ستة أشهر. منذ تلك الفترة لاحظ الأهل تأخر النمو و كبر حجم البطن عند الطفلة. شخص للطفلة مرض الكساح (الرخد: Rickets), وعولجت على أساس ذلك بال يتامين زDس مع مركبات الكالسيوم. وبعمر 9 أشهر أصيبت الطفلة بإسهال شديد مترافق مع حمى وأدخلت الطفلة إلى المستشفى للمرة الأولى بحالة تجفاف شديد; حيث عولجت معالجة نوعية بالمضادات الحيوية كما أعطيت الطفلة السوائل والكهارل اللازمة وتحسنت حالتها وخرجت من المستشفى. إلا أن الإسهال تكرر عند الطفلة عدة مرات ولكن بشدة أقل من سابقتها وكانت تعالج بشكل عرضي. خلال تلك الفترة اقتصرت تغذية الطفلة على حليب الأم فقط, حيث كان لدى الطفلة صعوبة بتناول أية أغذية أخرى خاصة الأطعمة الصلبة. قبل حوالي أسبوع من دخول مستشفى الأسد حدث لدى الطفلة سعال رطب مع حمى, وازدادت الأعراض وأصبحت الحالة العامة للطفلة سيئة وأدخلت إلى المستشفى.

 

 

* الفحص عند الدخول إلى المستشفى:

 

الحالة العامة للطفلة سيئة. حمى شديدة(40.5ْم)شحوب بالجلد والأغشية المخاطية ونحول بالأطراف مع غياب النسيج الشحمي تحت الجلد وضمور العضلات الهيكلية وكبر حجم البطن. انحراف معياري سلبي شديد أقل من 4-على مخطط النمو الطبيعي وذلك بالطول (69 سم)وبالوزن (7 كجم) وكذلك بمحيط الجمجمة 42سم)( كما لاحظنا عند الطفلة وجود زلة تنفسية(60/د)وتسرع بالنبض(120/د), و حَوَل أنسي أيسر(Left medial squint) وفرط استثارة وهياج. بإصغاء الصدر وجدت خراخر(R les) قصبية ورئوية خاصة بقاعدة الرئتين.

 

بالجس:

 

هناك ضخامة طحالية شديدة 9 سم تحت الحافة الضلعية اليسرى وضخامة كبدية 4 سم تحت الحافة الضلعية اليمنى. الضخامة الطحالية الكبدية غير مؤلمة ملساء متجانسة غير قاسية حافتها الخارجية واضحة. وكذلك لوحظ بالجس ضخامة بالعقد اللمفاوية خاصة الرقبية, والعقد اللمفاوية غير ملتصقة أو ملتهبة أو مؤلمة بحجم 1.5x1 سم. وقد لاحظنا بالفحص السريري فرط تشنج خاصة بالطرفين السفليين مع اشتداد المنعكسات الوترية (Tendon reflexes) عند الطفلة.

 

فيلم الدم:

 

الكريات الحمراء صغيرة الحجم ناقصة الصباغ (Microcytic hypochromic). الكريات البيض طبيعية. الصفيحات الدموية طبيعية.

 

الصورة الشعاعية للصدر:

 

ارتشاحات التهابية (Inflammatory infiltrates) غير متجانسة حول النقير (Hilum) على الجانبين وبالقاعدتين تتناسب مع الالتهاب القصبي الرئوي (Brochopneumonia), مع ازدياد خفيف في عرض المنصف قد يتناسب مع ضخامة عقدية موافقة.

 

الفحص الإيكوجرافي للبطن:

 

ضخامة طحالية شديدة متجانسة وضخامة كبدية متجانسة بدون وجود عقد أو تشكيلات شاذة, وريد الباب و الوريد الطحالي ضمن الحدود الطبيعية, الكليتان طبيعيتان بالحجم والبنية.

 

خزعة النقي (Bone marrow biopsy):

 

أجري للطفلة بزل نقي العظم من عظم الحرقفة(Ilium) ولونت الشرائح بملونات خاصة كشف فيها خلايا جوشر الوصفية.

العــلاج:

عولجت الطفلة معالجة عرضية (Symptomatic) وأعطيت مضادات حيوية واسعة الطيف و نقل للطفلة دم طازج و خرجت من المستشفى بعد تحسن حالتها العامة و بقيت الطفلة تحت المراقبة.

 

 

* الفحوصات المخبرية :
أجريت للطفلة الفحوصات التالية :

الكريات الحمر

الكريات البيض

شبكيات

صفيحات

حديد

سعة رابطة

مليون/ملم3

CHT

Hb مجم %

ألف/ملم3

N%

L%

E%

B%

M%

%

ألف/ملم3

مجم/دل

مجم/دل

3.7

%24

7.7

6

24

71

3

1

1

2

60

46

460

سكر

كالسيوم

فسفور

AST

ALT

مجم/دل

مجم/دل

مجم/دل

مجم/دل

مجم/دل

88

10.3

5.5

5.5

7

بيليروبين

رحلان الهيموجلوبين

تفاعل رايت

تفاعل فيدال

ألبومين

كلي مجم/دل

مباشر مجم/دل

غير مباشر مجم/دل

Hb A

Hb A2

Hb F

B abortus

B melitensis

H-O

مجم/دل

0.6

0.2

0.4

98.5

%1.5

0

سلبي

سلبي

سلبي

3.1

 

 

* مراقبة الحالة بعد الخروج من المستشفى:

 

بعد حوالي شهرين من الخروج من المستشفى, حدثت لدى الطفلة ضخامة عقدية كبيرة بالعقد اللمفاوية تحت الفك الأيسر بحجم 5X4 سم, قاسية ملتصقة بالعمق غير ملتهبة, مع حمى شديدة وأعراض التهاب الطرق التنفسية العليا مع استمرار الضخامة الطحالية ــ الكبدية. عولجت الطفلة بالمضادات الحيوية النوعية, انخفضت الحرارة عند الطفلة وتحسنت الحالة العامة ولكن بقيت الضخامة العقدية موجودة, وبعد ذلك وخلال 3 أشهر تكرر عند الطفلة حدوث أعراض التهاب الأمعاء (إسهال, قياء مع حمى) أو أعراض التهاب الطرق التنفسية, كما ازداد الشحوب والسعال وسوء التغذية. وتوفيت الطفلة بالتهاب رئوي شديد بعمر سنة ونصف.

 

 

* المناقشة:

 

تعود الآلية الإمراضية لمرض جوشر إلى غياب إنزيم البيتاجلوكوسريبروسيداز (b-Glucocerebrosidase) وهو الذي ينزع الجلوكوز من الجليكوسيريبروزيد معطياً السيراميد حسب المعادلة التالية:

هذا التفاعل غير عكوس, ويؤدي غياب الإنزيم إلى تراكم الجليكوسيريبروزيد في الخلايا البالعة (Macrophages) للجهاز الشبكي البطاني حيث تأخذ هذه الخلايا مظهراً خاصاً وتسمى بخلايا جوشر, وهي التي تؤكد تشخيص المرض. لقد تم كشف خلايا جوشر بشرائح الدم المأخوذ من نقي العظم عند الطفلة. وحدد النمط (II) أو الطفلي الحاد للمرض اعتماداً على الظاهرة السريرية المتواجدة عند الطفلة: الكشف المبكر للمرض بالأشهر الأولى للحياة, الضخامة الطحالية الشديدة, الضخامة الكبدية, ضخامة العقد اللمفاوية, والمظاهر العصبية الهامة, إضافة إلى السير السريع والمترقي للمرض. الأعراض العصبية هي أهم الأعراض السريرية للمرض وأخطرها, وهي مميزة للشكل الطفلي لمرض جوشر. وعلى الرغم من أن الإصابة العصبية في هذه الأمراض تكون بكلتا المادتين الرمادية و البيضاء, إلا أن إصابة المادة الرمادية (Gray matter) تكون أكثر أهمية, لذا تسمى هذه الأمراض بالأمراض الاستحالية للمادة الرمادية (Metamorphotic transform) . وعند هذه الطفلة كانت مظاهر الإصابة العصبية واضحة وشديدة وتتمثل بصغر حجم الجمجمة, ومظاهر الشلل البصلي الكاذب (Pseudobulbar palsy) مثل صعوبة البلع, وفرط تشنج الطرفين السفليين واشتداد المنعكسات الوترية. سبب الإصابة العصبية يعود إلى أن الشحوم السفينجولية تدخل في تركيب النسيج العصبي المركزي والمحيطي, وكذلك تدخل وبتركيزٍ عالٍ في تركيب غمد الميلين.

ومن المظاهر الهامة لمرض جوشر المظاهر الدموية وهي تشمل فقر الدم, ونقص الصفيحات الدموية والمحببات. يكون فقر الدم عادة من نوع عادي الصباغ والحجم,إلا أن فقر الدم الذي لوحظ عند الطفلة هو من نوع صغير الحجم ناقص الصباغ بعوز الحديد, وهو يعود إلى سوء التغذية ـ عدم قدرة الطفلة على تناول الأطعمة الصلبة واقتصار تغذيتها على حليب الأم بشكل أساسي ـ كما أن العداوى (Infections) المتكررة زادت من شدة فقر الدم. كما لوحظ عد الطفلة نقص الصفيحات والمحببات الذي يمكن أن يعزى إلى فرط الطحالية عند الطفلة, ونقص المحببات (Granulocytopenia) بدوره يقلل من قدرة الجسم على الدفاع تجاه العوامل الممرضة, مما يؤهب لحدوث العداوى وهذا ما لوحظ عند الطفلة بتكرار إصابتها بالعداوى والتي عادة ما تكون السبب الأهم بالوفيات في هذا المرض وخاصة العداوى الصدرية.

الأعراض الصدرية تعود إلى ارتشاح خلايا جوشر بالجدر الحويصلية والقصبات, حيث يمكن أن نكشف عن خلايا جوشر بالمفرزات القصبية.

تلعب الشحميات السكرية (Glycolipids) دوراً في تنظيم التآثرات الخلوية و النمو عند الإنسان, لذلك فاضطراب استقلابها قد يلعب دوراً في تأخر النمو عند المصابين بمرض جوشر وهو ما لوحظ عند هذه الطفلة.

إن ضخامة الطحال وضخامة الكبد وضخامة العقد اللمفاوية تعود إلى ارتشاح هذه الأنسجة بالخلايا المحتوية على الشحميات السفنيجولية غير المستقلبة. وهذا الارتشاح يكون شديداً خاصة بالشكل الطفلي لمرض جوشر, حيث يمكن الكشف عن هذه الخلايا عند دراسة الخزعات (Biopsies) المأخوذة من هذه الأنسجة.

 

 

* التشخيص:

 

هناك عدة طرق يتم بها تشخيص مرض جوشر:

  1. كشف خلايا جوشر بنقي العظم أو من خزعة الطحال أو الكبد. وهي عبارة عن خلية بالعة كبيرة الحجم (80-20 ميكرون) تحوي نواة جانب مركزية كثيفة وهيولى (Cytoplasm) على شكل حلقات أو خطوط معطية مظهر ورق السجائر المجعدة. وقد تحوي أكثر من نواة أحياناً, كما تبدي إيجابية لتفاعل شيف وحمض البيريوديك (PAS) وأسود سودان Bو(Sudan Black) .

  2. معايرة نشاط الإنزيم بيتا جلوكوسيداز (b-Glucosidase) في الكريات البيض أو أرومات الخلايا الليفية بعد الحضن. و يعتبر هذا الفحص ذو أهمية كبيرة, حيث تكون الفعالية أقل من 20% عن الحد الطبيعي عند المصابين ذوي الزيجوت متماثلة الألائل (Homozygous) وحوالي 60% عند متغايري الزيجوت (Heterozygous). كما تنخفض فعالية الإنزيم في خلايا الكبد والطحال عند المصابين بمرض جوشر.

  3. معايرة الجليكوسيريبروزيد بالراسب البولي حيث يلاحظ ارتفاعه الملحوظ.

  4. ترتفع الفوسفاتاز الحمضية (Acid phosphatase) في جميع أشكال مرض جوشر.

  5. يمكن الكشف عن المرض قبل الولادة بمعايرة الإنزيم بيتا جلوكوسيداز (b-Glucosidase) أو فحص الـدنا (DNA) لخلايا السائل السلوي (Amniotic fluid).

 

 

* العلاج:

 

لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ للمرض, ولكن في الفترة الأخيرة تم الحصول على خميرة الإنزيم (b-Glucosidase) النقية ويمكن اعطاؤه بجرعات كافية و بشكل منتظم عن طريق الوريد مما يؤدي إلى نقص مخزون الجسم من الشحميات السكرية (Glycolipids) ويحسن مظاهر المرض ولكن الصعوبة في هذه الطريقة العلاجية كونها مكلفة جداً, وهناك محاولات لإجراء زرع النقي عند المصابين. الأمل المسقبلي هو بالاعتماد على ما تتوصل إليه الهندسة الوراثية (Genetic engineering) بتحديد الجين المسؤول عن الخلل الوراثي وإمكانية إصلاحه.

يتضمن العلاج العرضي(Symptomatic treatment)علاج العداوى,ونقل الدم, واستئصال الطحال(Splenectomy),مع أشواط علاجية بالستيرويدات القشرية (Corticosteroids) والمسكنات.

 

 

* الوقاية:

 

بإجراء الاستشارة الوراثية عند العائلات التي يتواجد فيها أفراد مصابون بمثل هذه الأمراض.

 

 

* Bibliography:

 

  1. أيمن الفروي ـ الكيمياء الحيوية ـ مراجعة لامتحان البورد ـ دمشق 1993-1998 ;1994.

  2. Mark C.Rogers. Text Book of Pediatric Intensive Care. 3th Ed; 1996:1301-1302.

  3. Peter SP,Lee RE,Glew RH.Gaucherصs Disease. "A". Review of Medicine 1997:56: 425-442.

 

Further references are available from ACML on request.