أمــراض المنـاعـة الذاتيـة
Autoimmune Diseases 

د.وسيم مزيك


  * مقـدمــة:

  تعني (Auto) في اللغة اليونانية الذات وعليه اصطلح إطلاق تعبير المناعة الذاتية (Autoimmunity) عندما تكون الاستجابة المناعية موجهة إلى الذات‎ وهكذا فإن أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune diseases) هي الأمراض التي تنجم عن استهداف أنسجة وبنى الذات من قبل جهاز المناعة.

 

إن جهاز المناعة هو عبارة عن شبكة معقدة من الخلايا والجزيئات التي تعمل عادة على الدفاع عن الجسم ضد الكائنات الغازية من بكتريا (Bacteria) وفيروسات (Viruses) وغيرها‎ أما عندما يكون الشخص مصاباً بأحد أمراض المناعة الذاتية فإن جهاز المناعة عندها يقوم خطأ بمهاجمة الذات مستهدفاً الخلايا والأنسجة والأعضاء في جسم المصاب‎ ويؤدي هذا الهجوم المناعي في المحصلة إلى تجمع الخلايا والجزيئات المناعية في المنطقة المصابة وظهور ما يطلق عليه عموماً بالالتهاب (Inflammation)‎
هناك عدد كبير من أمراض المناعة الذاتية ويمكن أن يؤثر كل واحد منها على الجسم بطرق مختلفة‎ فعلى سبيل المثال يكون الدماغ هو هدف المناعة الذاتية في المرض المدعو التصلب العديد (Multiple Sclerosis;MS) بينما تكون الأمعاء هي الهدف في مرض كرون (Crohnصs disease)‎ وفي مرض آخر يدعى الذأب الذئبة الحمامي المجموعي (Systemic Lupus Erythematosus;SLE) يصاب أكثر من عضو عادة وقد تتفاوت الأنسجة والأعضاء المصابة بين الأشخاص المصابين بنفس هذا المرض‎ فقد يكون أحد المصابين بالمرض SLE يعاني من إصابات في الجلد والمفاصل بينما يعاني مصاب آخر من إصابات في الجلد والكلية والرئتين‎ وفي المحصلة يمكن أن تسبب أمراض المناعة الذاتية إصابات دائمة كما في التخرب الحاصل في الخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس عند المصابين بالداء السكري من النوع الأول (Type 1 Diabetes Mellitus).


 

ما هي مسببات أمراض المناعة الذاتية؟

كيفية معالجة أمراض المناعة الذاتية

أمثلة على أمراض المناعة الذاتية

أين تقف الأبحاث اليوم فيما يخص أمراض المناعة الذاتية؟

 

 

* من تستهدف أمراض المناعة الذاتية؟

 

إن معظم أمراض المناعة الذاتية تكون نادرة الحدوث‎ إنما إذا أخذنا هذه الأمراض كمجموعة فإنها تصيب الملايين من البشر‎ وتصيب معظم هذه الأمراض النساء أكثر من الرجال وبشكل خاص فإنها تصيب النساء في عمر الإنجاب والعمل‎.

 

قائمة المحتويات

 

* ما هي مسببات أمراض المناعة الذاتية؟

 

هل أمراض المناعة الذاتية معدية؟

لم يثبت حتى الآن أن أيا من أمراض المناعة الذاتية يمكن أن يكون معدياً فهذه الأمراض لا تنتقل إلى الآخرين كما هو حال الأمراض الـمُعدية (Infectious diseases) وهي تختلف كليا عن أمراض يمكن أن يكون لجهاز المناعة دور فيها كالإيدز (AIDS) والسرطان.

هل تورث هذه الأمراض؟

تساهم الوراثة الجينات في توفير الاستعداد للإصابة بأمراض المناعة الذاتية‎ إن بعض هذه الأمراض كالصُداف (Psoriasis) تصيب عدداً من أفراد العائلة بهذا المرض‎ وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن يرث أو يتشارك أفراد العائلة في مجموعة من الجينات رغم إصابتهم بأمراض مناعية ذاتية مختلفة.

ما هي العوامل الأخرى التي يمكن أن تساعد على ظهور أمراض المناعة الذاتية؟

يعرف عن بعض أمراض المناعة الذاتية أنها يمكن أن تبدأ أو تشتد بعد التعرض لمحرضات معينة كالعداوى الفيروسية‎ ويمكن أن يحرض التعرض لأشعة الشمس ظهور الذئبة أو يؤدي إلى تفاقم الحالة‎ لذلك فمن الأهمية إدراك العوامل التي يمكن أن يساعد تجنبها على منع أو التقليل من حدة مختلف أمراض المناعة الذاتية‎ ومن العوامل الأخرى التي لايـُفْهَـم على وجه الدقة تأثيرها في جهاز المناعة وفي سير أمراض المناعة الذاتية الشيخوخة (Aging) والحمل (Pregnancy) والتوتـــر الكَرْب المــزمــن (Chronic stress) والهرمونات (Hormones).

* كيف يعمل جهاز المناعة؟

 

يدافع جهاز المناعة عن الجسم ضد هجمات العوامل الممُرضة (Pathogens) ويتميز جهاز المناعة بالتعقيد اللامتناهي الذي يعتمد على وجود شبكة معقدة ومتقنة من الاتصالات مابين أنواع الخلايا المناعية المختلفة التي تجوب أنحاء الجسم‎ وتتركز إحدى الصفات المحورية لعمل جهاز المناعة في قابليته على التعرف على المستضدات (Antigens) سواء كانت تنتمي إلى العوامل المُعدية أو إلى مكونات الجسم نفسه.

 



* الخلايا البائية والتائية:

 

تنتمي معظم خلايا جهاز المناعة إلى ما يعرف بكريات الدم البيضاء (Leukocytes) التي يوجد منها العديد من الأنواع‎ وتشكل اللمفاويات (Lymphoytes) أحد أنواع كريات الدم البيضاء وتقسم بدورها إلى قسمين رئيسيين هما اللمفاويات البائية (B-cells) والتائية (T-cells)‎ إن الخلايا التائية أو التائيات هي إحدى خلايا جهاز المناعة المحورية التي تساعد على تدمير الخلايا المصابة بالعدوى وعلى تنسيق الاستجابة المناعية كما تحتوي التائيات على جزيئة سطحية مهمة جداً لعملها تدعى مستقبلة الخلية التائية (T-cell receptor)‎ وتتآثر هذه المستقبلة مع نوع آخر من الجزيئات تدعى مركب التوافق النسيجي الرئيسي (Major Histocompatibility Complex ;MHC) موجود على خلايا أخرى‎ تتواجد مركبات التوافق النسيجي على معظم خلايا الجسم وهي تساعد التائيات على التعرف على الأجزاء المستضدية‎ أما الخلايا البائية فمهمتها الأساسية تشكيل الأضداد (Antibodies‎)وتلتحم هذه الأضداد بالمستضدات الموافقة وتؤدي إلى وسمها (Mark) تمهيداً لتدميرها بواسطة خلايا مناعية أخرى‎ ومن خلايا الدم البيضاء الأخرى الفعالة مناعياً ما يدعى بالبالعات البلعميات Phagocytes وتقسم البالعات بشكل أساسي إلى البالعات الكبيرة البلاعم Macrophages والبالعات الصغيرة العَدِلات Neutrophils ‎.

 



* البلاعم الكبيرة والعدلات:

 

تدور هذه الخلايا في أنحاء الجسم مع الجريان الدموي بحثاً عن المواد الغريبة‎ وعندما تواجه هذه الخلايا مستضدات غريبة كالبكتريا فإنها تلتقمها وتدمرها‎ وتقوم البلاعم بمهمة التدمير هذه بواسطة إنتاج مواد سامة كالجزيئات الأكسجينية التفاعلية الوسيطة (Reactive oxygen intermediate molecules) وإذا تواصل إنتاج هذه المركبات السمية بدون ضابط فإن هذا لن يؤدي إلى تدمير المستضدات الغريبة فحسب بل الأنسجة والبنى المحيطة بهذه الخلايا‎ ففي أحد أمراض المناعة الذاتية المدعو الورام الحبيبي ل فيجنر (Wegener granulomatosis) تغزو البلاعم والعدلات المستثارة بشدة الأوعية الدموية وتقوم بإنتاج الكثير من الجزيئات السامة التي تساهم في تدمير هذه الأوعية‎ وفي الداء الروماتويدي تؤدي الجزيئات الأكسيجينية التفاعلية والجزيئات السمية الأخرى التي تنتجها الخلايا البلعمية المنشطة في المفاصل (Joints) إلى إحداث الالتهاب (Inflammation) الذي يتظاهر على شكل حرارة وتورم ويساهم في المحصلة في تلف المفصل.

 



* مركب التوافق النسيجي والجزيئات المساعدة الأخرى:

 

توجد جزيئات مركب التوافق النسيجي (MHC) على سطوح جميع الخلايا وتشكل جزءاً أساسياً من آليات الدفاع في الجسم‎ فعندما يغزو فيروس ما الخلية مثلاً تتحد جزيئة MHC مع قطعة منه المستضد لتعرضه على سطح الخلية المصابة‎ تدعى الخلايا التي تمتلك قابلية عرض المستضد بالتوافق مع جزيئة MHC بالخلايا المقدمة للمستضد (Antigen presenting cells)‎ يتم التعرف على كل جزيئة MHC مقدمة للمستضد من قبل مستقبلة خلية تائية موافقة‎ وبهذا الشكل فإن الخلية المقدمة للمستضد تكون قادرة على الاتصال بالخلية التائية وإعلامها بما يجري داخلها‎ غير أن استجابة الخلية التائية للمستضد الغريب المعروض على سطح مركب التوافق النسيجي للخلية المقدمة للمستضد تتطلب إشارة ثانية ترسل بواسطة الخلية المقدمة للمستضد‎ ويتم التعرف على هذه الإشارة الثانية من قبل جزيئة موافقة على سطح الخلية التائية‎ وتدعى هاتان الجزيئتان الموجودتان على الخلية المقدمة والتائية بالجزيئات المساعدة للتنبيه (Co-stimulatory molecules) وتوجد العديد من هذه الجزيئات المساعدة التي تساهم في عملية التآثر ما بين الخلية التائية والخلية المقدمة للمستضد.

 

 

وحالما يتم تفاعل مستقبلة الخلية التائية مع جزيئة مركب التوافق النسيجي وفي الوقت نفسه تفاعل الجزيئات المساعدة فإن الخلية التائية يمكن أن تسير في عدة مناح‎ تتلخص هذه المسارات في حصول تفعيل للخلية التائية أو إحداث التحمل (Tolerance) أو موت الخلية‎ ويتوقف مصير الخلية التائية هذا ـ جزئياً ـ على نوع الجزيئات المساعدة المساهمة في التفاعل بين الخلوي وكيفية مساهمتها‎ وبما أن لهذه التآثرات أهمية محورية في فهم آليات الاستجابة المناعية فإن العلماء يعملون بشكل مكثف على دراستها من أجل التوصل إلى علاجات جديدة تمكننا من السيطرة على أو إيقاف الهجوم المناعي الذاتي على أعضاء وأنسجة الجسم.

 



*السيتوكينات والكيموكينات
(Cytokines and Chemokines):

 

تكمن إحدى الطرق التي يمكن أن تستجيب بها الخلية التائية بعد حصول عملية التآثر بين مستقبلتها وجزيئة MHC وما بين الجزيئات المساعدة في إفرازها لما يدعى بالسيتوكينات (Cytokines) والكيموكينات (Chemokines)‎ والسيتوكينات هي عبارة عن بروتينات تؤثر في الخلايا المناعية المجاورة بحيث تنشطها أو تدفعها للنمو أو للموت‎ كما تكون قادرة على التأثير على خلايا أخرى ليست من جهاز المناعة‎ فعلى سبيل المثال تسهم بعض السيتوكينات في عملية تسمُّك الجلد المشاهد عند مرضى صلابة الجلد (Scleroderma).
أما الكيموكينات فهي سيتوكينات صغيرة الجزيئة تقوم بعملية جذب واستدعاء الخلايا المناعية إلى منطقة الفعل المناعي‎ ويسهم الإنتاج الزائد للكيموكينات في التهاب العضو المصاب وارتشاحه بالخلايا والمشاهد في أمراض المناعة الذاتية‎ فعلى سبيل المثال يؤدي فرط إنتاج الكيموكينات في مفاصل المصابين بالداء الروماتويدي إلى ارتشاح الفراغ المفصلي بخلايا مناعية ذات قدرة تخريبية كالبلاعم والعَدِلات والخلايا التائية.

 

 

* الأضداد(Antibodies):

 

إن الخلايا البائية (B-cells) هي إحدى الخلايا المناعية المحورية‎ فهي تساهم في التخلص من المستضدات الغريبة عبر ربطها بواسطة جزيئات نوعية توجد على سطحها أو عن طريق إنتاج أضداد نوعية تدور بحثاً عن المستضدات الغريبة وتدمرها‎ غير أن الخلايا البائية لا تستطيع القيام بدورها في إنتاج الأضداد بدون تلقي الإشارة المناسبة من الخلية التائية‎ وحالما تتلقى الخلية البائية إشارة الخلية التائية بشكل سيتوكين رسول (Messenger cytokine) فإنها تبدأ بإنتاج ضد فريد للمستضد المعني.

 

 

* الأضداد الذاتية (Autoantibodies):

 

في بعض أمراض المناعة الذاتية تقوم الخلايا البائية بإنتاج أضداد تستهدف أنسجة الجسم نفسه عوضاً عن المستضدات الغريبة‎ ويؤدي هذا إلى عرقلة عمل العضو المعني أو إلى تدميره التدريجي‎ إن المصابين بمرض الوهن العضلي الوبيل (Myasthenia gravis) يعانون من الضعف العضلي بسبب أن الأضداد الذاتية تهاجم أجزاء من العصب هي المسؤولة عن تحريض التقلص العضلي‎ أما في المرض الجلدي المدعو بالفُقاع (Pemphigus) فإن الأضداد الذاتية تهاجم خطأ خلايا الجلد‎ ويؤدي تجمع هذه الأضداد في الجلد إلى تفعيل جزيئات وخلايا أخرى وحدوث تخرب نسيجي يظهر على شكل حويصلات جلدية.

 

 

* المركبات المناعية ومنظومة المتممة
(Immune Complexes and the Complement System):

 

عندما تتواجد كميات كبيرة من الأضداد المرتبطة بمستضداتها في الجريان الدموي فإنها تشكل شبكة تشبه الحصيرة تدعى بالمركب المناعي (Immune complex)وعندما تتراكم هذه المركبات المناعية فإنها تبدأ بالتسبب في حدوث الأذية عبر تحريض العملية الالتهابية داخل الأوعية الدقيقة التي تغذي الأنسجة المختلفة‎ وتعمل هذه المركبات المناعية إضافة للوسائط الالتهابية والخلايا المناعية الأخرى على إعاقة الجريان الدموي في العضو المصاب وفي النهاية تدميره.‎
تعمل مجموعة من الجزيئات المتخصصة التي تنتمي إلى منظومة المتممة (Complement) على التخلص من المركبات المناعية‎ وتجعل جزيئات المتممة المختلفة الموجودة في الدوران الدموي وعلى أسطح الخلايا المركبات المناعية أكثر انحلالاً‎ كما تعمل عوامل المتممة على منع تشكل وعلى تصغير حجم المركبات المناعية مما يحد من تراكمها في المواضع الخاطئة أنسجة وأعضاء الجسم المختلفة ‎ وقد ساعدت بعض الحالات الوراثية على فهم دور بروتينات المتممة في التخلص من المركبات المناعية‎ ففي حالات نادرة يرث بعض الأشخاص جينات معيبة لأحد عوامل المتممة من والديهم مما يؤدي إلى خلل في تشكيل الجزيئة الملائمة من المتممة وبالتالي تكون أجهزتهم المناعية غير قادرة على التخلص من المركبات المناعية مما يؤدي إلى ترسبها في مختلف الأعضاء والتسبب في أذيتها‎إن هذه الحالات لايمكن أن ندعوها مناعية ذاتية إلا أن هؤلاء المرضى يصابون عادة بحالات مرضية تكون شبيهة بالذأب الذئبة الحمامي المجموعي.

 

 

* العوامل الجينية:

 

يمكن أن تؤثر العوامل الجينية على جهاز المناعة لدى الفرد وعلى استجابته للمستضدات الغريبة بطرق متعددة‎ فالجينات تحدد نوع جزيئات مركب التوافق النسيجي التي يحملها الفرد على سطوح خلاياه‎ كما تلعب الجينات دوراً في تحديد مجموعة مستقبلات الخلايا التائية التي يمتلكها الفرد‎ وفي الواقع فإن بعض ضروب مركبات التوافق النسيجي تترافق مع أمراض المناعة الذاتية‎ ومع ذلك فإن الجينات ليست هي العوامل الوحيدة التي تحدد قابلية إصابة الفرد بأمراض المناعة الذاتية‎.

 

 

* تشخيص أمراض المناعة الذاتية:

 

يعتمد تشخيص أمراض المناعة الذاتية على أعراض المريض ونتائج الفحص الإكلينيكي والفحوصات المخبرية‎ وفي بعض الحالات يمكن أن ينطوي تشخيص أمراض المناعة الذاتية على صعوبة خاصة في بداية سير المرض‎إن أعراض الكثير من أمراض المناعة الذاتية كالتعب هي غير نوعية‎ وتساعد نتائج الفحوص المخبرية على وضع التشخيص غير أنها كثيراً ما تكون غير كافية لتأكيده‎ عندما يشتكي مريض ما من أعراض في جهازه الحركي كوجود ألم مفصلي مع وجود نتائج مخبرية إيجابية غير نوعية فهو يمكن أن يصنف في البداية تحت مظلة ما يدعى بمرض نسيج ضام غير متميز المثيرة للّبس‎ وفي هذه الحالة كثيراً ما يطلب الطبيب المعالج من المريض أن يعاوده لمراقبة سير الحالة.‎
وقد تكون هذه المرحلة محبطة بالنسبة للمريض والطبيب المعالج على حد السواء‎ ومن جهة أخرى فقد تكون هذه الأعراض قصيرة الأمد وبدون وجود دلالات مخبرية قاطعة على وجود مشكلة جدية.‎
وفي بعض الحالات يتمكن الطبيب المعالج من التوصل إلى التشخيص النوعي في المرحلة الباكرة من المرض‎ إن الوصول إلى التشخيص باكراً يتيح للطبيب المعالج إمكانية البدء باكراً بالعلاج المكثف الذي يمكن أن يعني في بعض هذه الأمراض استجابة كلية من قبل المرضى إذا ما تم تحديد الأسباب المؤدية لظهور الأعراض عندهم.‎
ومع أن أمراض المناعة الذاتية تكون مزمنة عادة إلا أن سيرها غير متوقع‎ إذ لا يستطيع الطبيب التنبؤ بسير المرض عند مريضه اعتماداً على كيفية بدايته‎ ولهذا تتوجب مراقبة المريض بشكل جيد بحيث تمكن مناقشة العوامل المثيرة للمرض والمؤثرة على سيره ووصف العلاجات المناسبة باكراً ما أمكن‎ إن التردد على عيادة الطبيب من قبل المصابين بهذه الأمراض مهم جداً لتحقيق التدبير الجيد للمعالجات المركبة التي عادة ما توصف لهؤلاء المرضى ولمراقبة الآثار الجانبية المحتملة لهذه المعالجات.‎

 

قائمة المحتويات

 

 

* كيفية معالجة أمراض المناعة الذاتية:

 

عادة ما تكون أمراض المناعة الذاتية مزمنة لذلك فهي تحتاج إلى معالجة ومراقبة طويلة الأمد حتى عندما يشعر المريض أنه بحالة جيدة‎ ويمكن حالياً شفاء أو السيطرة تماماً على القليل من أمراض المناعة الذاتية باستعمال المعالجة الملائمة‎ ومع ذلك فإن الغالبية العظمى من المرضى المصابين بأمراض المناعة الذاتية يستطيعون مواصلة حياتهم بشكل طبيعي عند تلقيهم للرعاية الطبية المناسبة.‎
ويستطيع الأطباء مساعدة مرضاهم على تدبير عواقب العملية الالتهابية التي تنجم عن أمراض المناعة الذاتية‎ وعلى سبيل المثال غالباً ما يصف الأطباء الإنسولين للسيطرة على مستوى سكر الدم عند الذين يعانون من الداء السكري من النوع الأول لئلا تؤدي مستويات السكر المرتفعة إلى حدوث أذية في العين أو الكلى أو الأعصاب والأوعية الدموية‎ غير أن الأبحاث العلمية في هذا المجال تهدف إلى التوصل إلى إمكانية منع الالتهاب (Inflammation) من تدمير الخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس والتي تعتبر فعاليتها حيوية من أجل السيطرة على سكر الدم.‎
وفي بعض الأمراض الأخرى كالذأب الذئبة الحمامي المجموعي والداء الروماتويدي فقد تمكن الأدوية من إبطاء أو إيقاف تدمير جهاز المناعة للكليتين والمفاصل‎ وتدعى الأدوية التي تكبح الاستجابة المناعية لتحقيق السيطرة على الالتهاب المتسبب عن الهجوم المناعي الذاتي بمثبطات المناعة (Immunosuppressive medications) وتنتمي إلى هذه الزمرة من الأدوية كل من الستيرويدات القشرية (Corticosteroids) والميثوتريكسات (Methotrexate) والسيكلوفوسفاميد (Cyclophosphamide) والأزاثيوبرين (Azathioprin) والسيكلوسبورين (Cyclosporin) ولسوء الحظ تثبط هذه الأدوية أيضاً من قدرة جهاز المناعة على مقاومة العداوى(Infections)إضافة إلى تأثيراتها الجانبية الأخرى التي لايستهان بها.‎
إن الهدف الحالي في معالجة مرضى المناعة الذاتية هو الوصول إلى علاجات تحقق هدأة (Remission) المرض مع أقل قدر ممكن من الأعراض الجانبية‎ وتركز العديد من البحوث على مراحل مختلفة من الاستجابة‎.

 

قائمة المحتويات

 

* أمثلة على أمراض المناعة الذاتية:

 

  • الداء الروماتويدي (Rheumatoid arthritis):

يستهدف الهجوم المناعي عند المرضى المصابين بالداء الروماتويدي الغشاء المفصلي (Synovium) الذي يغلف مختلف المفاصل‎ يكون الالتهاب في هذه الحالة متناظراً أي أن هذا المرض يصيب بشكل متساو طرفي الجسم ويتسبب في إحداث الألم والتورم والتيبس في المفاصل المصابة‎ تساعد هذه المظاهر على تفريق الداء الروماتويدي عن الالتهاب العظمي المفصلي (Osteoarthritis) والذي هو حالة تنكسية (Degenerative) أكثر شيوعاً تنجم عن الحت والتخرب المفصلي التدريجي على مدى سنين طويلة.‎
وتركز العلاجات المتاحة حالياً للداء الروماتويدي على التقليل من الالتهاب المفصلي باستعمال مضادات الالتهاب أو مثبطات المناعة‎ ويمكن لهذا المرض في بعض الحالات من أن يصيب العين أو الرئتين أو الأوعية الدموية كما أن مظاهر أمراض مناعية أخرى كمتلازمة سيوجرين (Sjogren's Syndrome) تتظاهر بجفاف في إفرازات الجسم وتؤدي إلى جفاف في العين والفم مثلاً تظهر عند المصابين بالداء الروماتويدي‎ ويعتبر الداء الروماتويدي أحد أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً‎ ولم يتبين إلى اليوم ضلوع أي عامل عدوائي في هذا المرض.

 

جدول(1) : أمثلة على أمراض المناعة الذاتية بحسب العضو الرئيسي المصاب فيها

الجهاز العصبي:

* التصلب المتعدد .
* الوهن العضلي.
* متلازمة جيليان بارية.
* التهاب القزحية المناعي الذاتي.

الــــــــدم:

* انحلال الدم المناعي الذاتي.
* فقر الدم الوبيل.
* نقص الصفيحات المناعي الذاتي.

الأوعية الدموية:

* التهاب الشريان الصدغي.
* متلازمة أضداد.
* الفوسفوليبيدات.
* التهاب أوعية دقيقة كداء فيجنر.

الجلــــــــد:

* الصداف.
* البهاق
* الفقاع الشائع.
التهاب الجلد العقبولي الشكل .

الجهاز الهضمي:

* مرض كرون.
* التهاب القولون التقرحي.
* التشمع الصفراوي البدئي.
* التهاب الكبد المناعي الذاتي

الغدد الصم:

* الداء السكري من النوع الأول.
* مرض جريفز.
* مرض هاشيموتو.
* التهاب الكظر المناعي الذاتي
* التهاب االمبيض والتهاب الخصية المناعي الذاتي.


مجموعة أعضاء بما فيها الجهاز الحركي:

* الداء الروماتويدي.
* الذأب(الذئبة) الحمامي المجموعي.
* تصلب الجلد.
* التهاب العضلات، التهاب الجلد والعضلات.
* التهاب الفقار اللاصق.
متلازمة سيوجرين.

 

  • التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis):

إن التصلب المتعدد هو مرض مناعي ذاتي ينجم عن مهاجمة جهاز المناعة للنسيج العصبي في الجهاز العصبي المركزي (Central Nervous System) وغالباً ما يحدث التخريب في الجهاز العصبي بشكل متقطع مما يتيح للمريض ممارسة حياته بشكل قريب إلى الطبيعي بين الهجمات‎ أما في الحالات الشديدة فيكون المرض متواصل الفعالية مما قد يؤدي إلى العمى والشلول (Paralyses) والموت الباكر‎ يكون الإنترفيرون بيتا (Beta Interferon) فعالا في إبطاء سير المرض والتخفيف من حدته عند جزء من المرضى إلا أن ارتفاع تكلفته لايزال عائقاً أمام انتشار استعماله الواسع.‎
إن التصلب المتعدد هو أكثر أمراض الأنسجة العصبية المؤدية للإعاقة عند الشباب شيوعاً وهو يصيب بمعدل 1 من كل 700 في الولايات المتحدة‎ ويعمل الباحثون حالياً على البحث عن المحرضات المحتملة لهذا الداء‎.

  • الداء السكري من النوع الأول
    (Type 1 Diabetes Mellitus):

ينجم هذا المرض عن التخريب المناعي الذاتي للخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس‎ ويحتاج الجسم للإنسولين من أجل السيطرة على مستويات السكر في الدم‎ وتكون مستويات السكر المرتفعة هي المسؤولة عن أعراض ومضاعفات هذا المرض‎ وفي الواقع فإن معظم الخلايا المنتجة للإنسولين عادة ما تتخرب قبل بدء ظهور أعراض هذا المرض‎ وتتراوح الأعراض ما بين الإحساس بالتعب البوال العطش والإحساس المفاجئ بالتشوش.‎
عادة ما يشخص الداء السكري من النوع الأول قبل بلوغ المريض سن الثلاثين وأحياناً يشخص باكراً جداً حتى في الشهر الأول من الحياة‎ ويعتبر الداء السكري بنوعيه لا يعد الداء السكري من النوع الثاني من أمراض المناعة الذاتية السبب الرئيسي لأذيات الكلية وفقدان البصر وبتر الساق‎ وتتيح المراقبة الجيدة لمستوى سكر الدم التقليل من احتمال حدوث هذه المضاعفات‎ وهناك استعداد وراثي للإصابة بالداء السكري من النوع الأول الذي يصيب بمعدل 1 من كل 800 في الولايات المتحدة‎ ونستطيع اليوم تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بهذا النوع من الداء السكري ممن لديهم قريب مباشر مصاب بالمرض‎ وتتجه الجهود الآن إلى محاولة إيجاد طرق لمنع تطور المرض عند هؤلاء.

  • المرض الالتهابي المعوي
    (Inflammatory Bowel Disease):

يستعمل هذا المصطلح الطبي للتدليل على حالتين مرضيتين هما مرض كرون (Crohnصs disease) والتهاب القولون التقرحي (Ulcerative colitis) وهما حالتان تتميزان بهجوم مناعي ذاتي على أمعاء الإنسان‎ يشتكي مرضى كهؤلاء من الإسهال الغثيان الإقياء المغص البطني وفي بعض الأحيان من آلام صعبة التدبير‎ ويمكن أن تكون شكاية المريض ناجمة عن الالتهاب المعوي أو عن الأدوية التي تستخدم لمعالجة هذه الحالات‎ فمثلاً يعرض الاستعمال اليومي لجرعات عالية من البريدنيزون من الستيرويدات القشرية وهي تكون أحياناً لازمة للسيطرة على الأعراض الحادة لمرض كرون المريض لخطر العداوى وإلى حدوث تخلخل العظام (Osteoporosis) والكسور‎ أما عند المصابين بالتهاب القولون التقرحي فإن استئصال الجزء السفلي من القولون يمكن أن يوقف المرض ويقي المريض من احتمال إصابته بسرطان القولون لاحقا إلا أن لهذه الطريقة العلاجية مشاكلها الخاصة أيضاً‎.

  • الذأب الذئبة الحمامي المجموعي
    (Systemic Lupus Erythematosus; SLE):

إن أكثر الأعراض مصادفة عند مرضى الذأب الذئبة هو الإحساس بالإنهاك والطفح الجلدي وآلام المفاصل‎ وفي الحالات الشديدة يتسبب الهجوم المناعي في تخريب أعضاء متعددة كالكليتين والرئتين والدماغ‎ ويتيح استعمال مضادات الالتهاب (Anti-inflammatory medications) إمكانية السيطرة على الأعراض وعلى التخريب الناجم عن الالتهاب المناعي غير أن إغفال مراقبة المريض بشكل جيد يعرضه للتأثيرات الجانبية لهذه الأدوية التي قد تكون شديدة‎.

  • الصُداف (Psoriasis):

إن الصُدَاف الصَدَفِيَّة هو حالة مناعية ذاتية تصيب الجلد أساساً وأحياناً العين والأظافر والمفاصل‎ يمكن للصداف أن يكون مقتصراً على مناطق محددة من الجلد أو يكون منتشراً يصيب مساحات واسعة مشكلاً لويحات محمرة متقشرة‎ تتظاهر هذه اللويحات بأشكال وأحجام وشدات مختلفة وتكون أحياناً مؤلمة ومشوِّهَة‎ ويمكن أن تشتد أعراض الصداف نتيجة للعداوى أو الضغط والرضح الجلديين‎ وتتركز معظم علاجات هذه الحالة على العناية الموضعية بالمناطق المصابة لتهدئة التقشر والحكة والالتهاب‎ أما في الحالات الشديدة فيمكن اللجوء للمعالجات الجهازية (Systemic) عن طريق الفم:

  • تصلب الجلد (Scleroderma):

يسبب هذا المرض حدوث سماكة في الجلد والأوعية الدموية‎ ويعاني السواد الأعظم من المرضى المصابين بمرض صلابة الجلد من ظاهرة رينو (Raynaudصs phenomenon) التي تكون على شكل تشنج في أوعية اليدين والقدمين خاصة عند التعرض للبرد‎ أما الأعراض التي تتجلى فيها هذه الظاهرة فتكون على شكل ازدياد في حساسية أصابع اليدين والقدمين للبرد وتغير في لون الجلد وألم وأحياناً حدوث تقرحات في نهايات أصابع اليد أو القدم‎ ويمكن أن تؤدي ثخانة الجلد والأوعية الدموية عند المصابين بتصلب الجلد إلى تحدد في الحركة وضيق النَفَس وبشكل أندر إلى قصور في القلب أو التنفس أو الكليتين‎.

  • أمراض الغدة الدرقية المناعية الذاتية
    (Autoimmune Thyroid Diseases):

ينجم كل من التهاب الدرقية ل هاشيموتو (Hashimotoصs thyroiditis) ومرض جريفز (Gravesص disease) عن تخريب أو تنبيه مناعي ذاتي للنسيج الدرقي‎ وتكون أعراض فرط زيادة نشاط الغدة الدرقية (Hyperthyroidism) أو نقص نشاط الغدة الدرقية (Hypothyroidism) غير نوعية عادة وقد تظهر بشكل تدريجي أو مفاجئ‎ ومن هذه الأعراض التعب والتوتر وعدم تحمل البرودة أو الحرارة والضعف والتغير في قوام وكمية الشعر وزيادة أو نقصان الوزن‎ إن تشخيص إصابة الدرقية يكون سهلاً عادة اعتماداً على الاستقصاءات المخبرية‎ ويمكن السيطرة على أعراض نقص نشاط الغدة الدرقية بوصف المعالجة التعويضية لهرمون الدرقية مما يعرض بدوره إلى احتمال حدوث المضاعفات الناجمة عن التعويض الزائد أو الناقص للهرمون‎ أما معالجة فرط نشاط الدرقية فتتركز على الاستعمال المديد لمضادات الدرقية أو إلى تخريب النسيج الغدي باستعمال اليود المشع أو الجراحة‎ وتنطوي هاتان الطريقتان العلاجيتان على مخاطر وعلى آثار جانبية بعيدة المدى‎.

 

قائمة المحتويات

 

* أين تقف الأبحاث اليوم فيما يخص أمراض المناعة الذاتية؟:

 

إن الأبحاث الأساسية التي تهدف لتحقيق فهم أفضل لطريقة عمل جهاز المناعة في الصحة والمرض تَُتَابَع بشكل حثيث وهي ضرورية جداً لفهم آليات حدوث المناعة الذاتية وبالتالي التدخل لمنع حدوثها أو معالجتها.‎
إن الطريق لايزال طويلاً أمام الباحثين لتحقيق فهم أفضل لآليات نشوء مختلف أمراض المناعة الذاتية ولتصميم تداخلات علاجية مبتكرة تمنع ظهور هذه الأمراض عن المستعدين لها أو تحقق سيطرة جيدة عليها مع أقل قدر من الآثار الجانبية‎ وقد لا تعدو المسافة التي تفصلنا عن تحقيق هذه الأهداف مثبطة إذا ما نظرنا إلى الوراء لنرى ما قطعناه إلى اليوم.

 

 

 

* Bibliography:

 

References for this article are available from ACML on request.

 

 

 

 

أعلى الصفحة