|
د. مفتي عمرو - وعبدا لكريم جواد |
|
|
|
يبدأ مرض التصلب العصيدي (Atherosclerosis)-وهو تصلب الشرايين- في سن الطفولة وغالبا ما ينتهي، على مدى عقود عدة، إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغيه أو مرض الأوعية الدموية الطرفية. وتعتبر هذه الأمراض بمسارها البطيء ولكن المستمر في إيقاع العجز، السبب في أكثر من نصف حالات الوفيات في الولايات المتحدة، كما تمثل الأسباب الرئيسية للوفيات في أوربا واليابان. إن نشوء التصلب العصيدي وتطوره عبارة عن قصة الخلايا والجزيئات الموجودة في أحد الشرايين واستجاباتها للهجمات الضارة كلما هرم الجسم، بالفعل فإن النماذج الحالية لتصلب الشرايين تعتمد أساسا على "فرضية الاستجابة للإصابة" التي اقترحها "روس"(Ross) وجلومسيت (Glomset) من جامعة واشنطن في بداية السبعينات؛وتنص تلك الفرضية في أبسط صيغها على أن المرض يبدأ بإصابة للغشاء المبطن للشريان. وقد كان التحدي الرئيسي لأبحاث تصلب الشرايين هو تفهم الكيفية التي تستهل بها هذه الإصابة الأولية، على مدى عقود من الزمن، سلسلة التفاعلات الخلوية والجزيئية التي تحدد شكل المرض. وقد اتضح منذ عهد قريب أن جزيئات متنوعة مطلقة للإشارات العصبية، والتي تحدث تغيرا في النشاط الخلوي، لها دور حيوي في تطور العملية المرضية. وتوحي بعض التطورات الحديثة في عدد من المختبرات، أن هناك منافذ جديدة ستنفتح قريبا في طرق الوقاية من هذا المرض وفي طرق المعالجة منه. ونستعرض هنا باختصار مفاهيمنا الحالية عن التصلب العصيدي والتطلعات إلى المتقبل القريب. |
|
| الاستجابة للإصابة: | |
إن أعمق طبقات الوعاء الدموي، أي البطانة الوعائية الداخلية (Intima) هي ساحة المعركة لعملية التصلب العصيدي. ولا يبدو أن هناك تأثيرا مباشرا على طبقتي الوعاء الدموي الأخريتين؛ وهما الطبقة المتوسطة(The Media) والطبقة الخارجية (Adventitia) إلا إنهما قد يلعبان دورا ما في العملية في النهاية. تتميز عملية تطور التصلب العصيدي(التعصد Atherogenesis) بتراكم مستمر للجزيئات (دهون مركبة، بر وتينات، كربوهيدرات) وبتكاثر للخلايا في الطبقة البطانية الداخلية للشريان. وللمكون الدهني أهمية خاصة لأنه يساهم في واحد من أوائل التغيرات المرضية، وهو تكون الثلم ا لشحمي(Fatty Streak). وتتضخم الطبقة الأعمق مع زيادة تراكم الدهون والخلايا وتبدو صفراء أو مخططة للعين المجردة. وفي النهاية، فقد يغطي هذا اللب المكون من الدهون ونفايات الخلايا (Cellular Debris) غطاء من الأنسجة الضامة مكونا لويحة ليفية(Fibrous Plague). وقد يتمعدن كذلك موقع الإصابة في الحالات المتقدمة من المرض (بالكالسيوم). ويؤدي التراكم غير الطبيعي لهذه المكونات إلى التقليل من مرونة الشريان ويساهم في انسداده أثناء نوبة قلبية أو سكتة دماغيه (Stoke). كان من المعتقد في وقت ما أن الإصابة الأولية هي "ضياع" الطبقة البطانية الوعائية (Endothelium)، وهي الخلايا المتواصلة وحيدة الطبقة الملاصقة للدم بصورة مباشرة، ولكن العملية ليست بهذه الصورة. فمن المعروف حاليا، أن أحد الأحداث المبكرة هو التصاق الكريات وحيدة النواة الجائلة (في الدم) (Circulating Monocytes) بالسطح "السليم" لخلايا البطانة. (ووحيدات النواة هي كريات الدم البيضاء التي تتحول إلى كريات بيضاء بلعمية ضخمة بالعة للجسيمات حينما تدخل أنسجة أخرى مغايرة). وتلتصق الكريات وحيدة النواة بالبطانة في المقام الأول نتيجة لوجود جريئات الالتصاق التي تظهر (Expressed) في العادة على أسطح الخلايا البطانية في استجابة التهابية. وأثناء حدوث خمج بكتيري أو فيروسي، على سبيل المثال، تصبح جزيئات الالتصاق (Adhesion Molecules) مسئولة عن تجنيد الخلايا الالتهابية(مثل الكريات وحيدة النواة) لمواجهة التهديد المحتمل. وفي عام 1993، أوضح تشيبولسكي (Cybuski) وجيمبرون (Gimbrone) من جامعة هارفارد لأول مرة، أن جزى الالتصاق الخاص بالخلية الوعائية (VCAM) يفرز في أماكن معينة من الجهاز الدوري، وأن إفراز هذا الجزيء يسبق دائما تلاصق الكريات وحيدة النواة. كما أظهر هذان الباحثان أن دهنا (Lipid) كان المسئول في النهاية عن استثارة الجين Gene لجزئ الالتصاق الخاص بالخلية الوعائية. وقد تعرف كل من "رسنيك" (Resnick) و"جيمبرون" من جامعة هارفارد على عنصر مستجيب للجهد القاص (Shear-Stress Responsive) (في المواقع المنظمة في عدة جينات) والذي يحفز إفراز جزيئات الالتصاق، بالإضافة إلى عوامل جزيئيه أخرى تساهم في عملية التعصد (Atherogenesis). و بالرغم من أن الآلية الصحيحة غير معروفة تماما إلا أن "ديفيس" (Davies) وزملاءه من جامعة شيكاغو كانوا جادين في تقصي الكيفية التي تستشعر بها البطانة الوعائية اضطرابا في جريان الدم عند سطح الخلايا ثم ترسل هذه المعلومة إلى النواة. وقد تعرف تجريبيا على عدة عوامل استنساخية (Transcription Factors) (بروتينات تلتصق بالمواقع المنظمة في الجينات) والتي تنتج (Produced) استجابة للجهد القاص ومن الممكن أنها تلعب دورا في استجابة البطانة الوعائية. وتتسلل الكريات وحيدة النواة بعد الالتصاق بين الموصلات (Junctions) الضيقة لخلايا البطانة الوعائية وتدخل الحيز تحت البطاني. وهنا تتحول الكريات وحيدة النواة إلى حالة بلعمية تبتلع الدهون المعدلة (الدهون المؤكسدة (Oxidized Lipids) في الغالب). وبينما يتقدم مرض التعصد، تتخذ هذه البلعميات الكبيرة مظهرا "رغويا" وتصبح جزءا رئيسيا من مكونات الثلم الشحمي. وتعتر الآلية التي تكدس بها هذه الخلايا البلعمية الكبيرة الدهون مجالا خصبا ورئيسيا للبحث حيث إنها تبشر بموقع محتمل لمنع تكون الثلم الشحمي. والمكون الرئيسي الآخر للثلم الشحمي هو خلايا العضلات الملساء (والتي تقع عادة في الطبقة الوسطى من الشريان وهي مسئولة عن الحفاظ على التوتر الوعائي). وتتكاثر خلايا العضلات الملساء بالتوازي مع البلعميات الكبيرة في الطبقة البطانية أثناء عملية التعصد. وهي بمثابة السليفات (Progenitors) الرئيسية الأخرى للخلايا الرغوية المليئة بالدهن. وقد اقترح "بنديت"(Benditt)، من جامعة واشنطن، أن خلايا العضلة الملساء تتكاثر من خلية واحدة أو من أعداد قليلة من الخلايا في الطبقة البطانية (بعد)هجرتها من الطبقة المتوسطة وهذه النظرية المسماة "وحيدة النسيلة" Monoclonal Theory مبنية على ملاحظة أن لويحات التصلب العصيدي (Atherosclerotic Plagues) في أي من الأفراد تحتوي على نوع واحد فقط من خلايا العضلات الملساء. ويبدو كذلك أن بعض الخلايا المناعية (الخلايا اللمفية)، والتي تمثل مكونا عدديا ثانويا فقط داخل إصابة تصلبيه عصيدية تلعب دورا هاما في تقدم المرض، ونذكر بالأخص الخلايا التائية T-cells(وهي خلايا لمفية متخصصة مسئولة عن الاستجابة المناعية الحادثة بوساطة الخلية (Cell-mediated Immune Response)، تصبح نشطة كلما تقدم المرض. ففي خلال استجابة مناعية (طبيعية) تنشط المستضدات (Antigens) الخلايا التائية على سطوح الخلايا التي تكمن فيها احتمالية الإمراض (Potentially Pathogenic Cells) والتي تتعرف عليها الخلايا التائية وتتلفها. وقد اقترح "بوبر" (Pober) وزملاؤه في جامعة "ييل" أن تنشيط الخلايا التائية خلال عملية التعصد قد يكون مشابها للاستجابات المناعية الأخرى، حيث تساعد الخلايا التائية في العملية بحشد (Mobilize) الخلايا البلعمية الكبيرة (Macrophages). وان كان الأمر كذلك، فالخلايا التائية هذه قد تلعب دورا في نشاط الخلايا البلعمية الكبيرة في المنطقة البطانية (Intima). |
|
محركات الخلايا (Cytokines) وعوامل النمو: |
|
من المهم التعرف على حقيقة أن المكونات الخلوية للإصابة التصلبية العصيدية هي جزء يسير من الحدث في عملية تطور التصلب العصيدي. فعلى سبيل المثال، هناك عوامل جزيئيه معينة باستطاعتها أن تعدل (Modulate) من أنشطة الخلايا. ومن بين أهمها، نجد عوامل النمو (وهي جزيئات تجذب الخلايا وتشجع انقسام الخلية)، و الإيكوزانويدات (Eicosanoids) (التي بإمكانها أن تحفز حلمهة(Hydrolysis)إستر الكوليستريل (Cholestry Ester) وتولد الكولسترول الحر (Free Cholesterol) مما يسهل كثيرا من إمكانية إزالته من الخلايا)، وكذلك بعض محركات الخلية (Cytokines) (والتي لها تأثيرات أيضية (Metabolic) مختلفة من بينها إفراز العوامل التي تنظم عملية تشكل الخثرة الدموية)، إضافة إلى جزى أكسيد النيتريك(الذي يعمل على توسيع الأوعية الدموية). ويبدو من المعقول أن تلعب واحدة أو أكثر من هذه الجزيئات دورا في عملية تكاثر وهجرة خلايا العضلات الملساء. وقد اقترح "روس" (Ross) وزملاؤه أن لعامل النمو المشتق من الصفيحات(وهو أحد عديد الببتيدات مطلق من صفيحات الدم وخلايا الغشاء المبطن للأوعية الدموية) أهمية خاصة في كلتا عمليتي جذب خلايا العضلات الملساء إلى المنطقة البطانية وتشجيعها على الانقسام. وقد عرف عن البلعميات الكبيرة أنها تطلق محركات الخلية أمثال عامل نخر الورم، والإنترلوكين الأحادي (Interleukin-1)، والإنترفيرون (Interferon) بالإضافة إلى إطلاق عوامل النمو التي تؤثر على عملية تبادل الكولسترول في داخل الجسم، وقد يكون ذلك مهما أيضا في عملية تكاثر خلايا العضلات الملساء. وتحفز محركات الخلية التي تطلقها البلعميات الكبيرة خلايا الغشاء المبطن للشريان لكي تفرز العامل المنشط الصفيحات، والعامل النسيجي (Tissue Factor) و المثبط (Inhibitor) لمنشط مولد البلازمين. وتشارك هذه الجزيئات في تحوير سطح خلية الغشاء المبطن للشريان بحيث تجعله أكثر عرضة لتشكيل خثره دموية. وبدورها فإن خلايا الغشاء المبطن تطلق بنشاط عددا من المواد (مثال البروستاسيكلين (Prostacyclin) وأكسيد النيتريك) والتي تعوق تشكل الخثرات الدموية بمنع التصاق الصفيحات. وتتسبب هذه الجزيئات كذلك في تراخي خلايا عضلة الشريان الملساء ولدلك تخفض من التوتر الوعائي. وفي المقابل لهذه التأثيرات الحميدة، فإن العنصر المستجيب للجهد القاص المكتشف في بعض الجينات والذي تطلقه الخلايا البطانية، بإمكانه أن يشجع إنتاج محركاتالخلية وبعض عوامل النمو (والتي لها نشاطات تعصدية). وفي ضوء هذه التفاعلات الخلوية والجزيئية المتداخلة، فقد اقترح أن التصلب العصيدي يشترك في عدد من السمات مع الأمراض الالتهابية المزمنة. وتنتزع محدثات الإجهاد (Stressors)، مثل الجراثيم الضارة أو المهيجات الكيميائية، الاستجابة النموذجية الالتهابية. وفي هذه الحالات تطلق الخلايا الالتهابية [وتشمل البلعميات الكبيرة، و اللمفاويات وكريات الدم البيضاء المسماة بالعدلات (Neutrophils)] عوامل النمو ومحركات الخلية والتي تحرك نشاطات خلايا أخرى لمحاربة العامل الممرض (Pathogen). و إذا لم تدمر العوامل الممرضة فإن الأنسجة الضامة المحيطة بها تشكل كبسولة ليفية حول الوقع الالتهابي. وهذه الفعالية الدفاعية مشابهة تماما للفعل الاستجابي للإصابة والذي يستهل عملية التعصد. |
|
الكولسترول والجليسريدات الثلاثية (Triglycerides): |
|
يعد تراكم الدهون في البلعميات الكبيرة وفي خلايا العضلات الملساء هو السمة المركزية في عملية التعصد. ولكن الدهون، أمثال الكولسترول والجليسريدات الثلاثية ليست على أي حال جزيئات ضارة تماما. حيث أن بعضها مكونات هامة لأغشية الخلية والهرمونات الستيرويدية وسمات أخرى لعمليات الأيض (الاستقلاب) في الخلية. ورغم أن بعض الكميات من هذه الدهون في الدم أمر طبيعي وضروري، إلا أن البراهين في ازدياد على أن المستوى الجائل المرتفع من الكولسترول والجليسريدات الثلاثية هو بمثابة عامل الخطر الرئيسي في التصلب العصيدي ومرض القلب. وفي هذه الحالات يظهر أن الإدارة الخلوية لهذه الدهون هي التي قد أخفقت. وفي المسار الطبيعي للأحداث فإن الكولسترول والجليسريدات الثلاثية التي نتناولها خلال وجبة غذائية تتحرك جيئة وذهابا خلال مسارات أيضية متعددة، حيث بالإمكان أن تستعمل في عمليات الأيض في الخلية أو تخزن بكل أمان أو تزال. وحيث أن جزيئات الكولسترول والجليسريدات الثلاثية ليست قابلة للذوبان فإنه يجب أن ترافقها أجهزة نقل خاصة، تسمى الجسيمات البروتينية الدهنية (Lipoprotein Particles). وهناك ست جسيمات بروتينية دهنية رئيسية هي: الدقائق الكيلوسية (Chylomicrons)، والبروتينات الشحمية ذات الكثافة المنخفضة جدا (VLDL)، و البر وتينات الشحمية ذات الكثافة المنخفضة (LDL)، و البروتينات الشحمية ذات الكثافة المتوسطة (IDL)، و البروتينات الشحمية عالية الكثافة (HDL) و البروتين الشحمي (a) وتلعب كلها أدوارا متعددة في عملية نقل هذه الدهون. وتتكون كل واحدة من هذه الجسيمات من لب دهني (Lipid) محاط بغلاف من صميم البروتين (Apoprotein). و توجه صميمات البروتين جسيمات البر وتينات الشحمية نحو المستقبلات الموجودة على خلايا متعددة خلال سائر الجسم. وفي أواخر السبعينات شرح "براون" (Brown) و "جولدشتاين" (Goldstein) من جامعة "تكساس" أن المستقبلة لجسيم الـ (LDL) على خلايا الكبد هامة جدا لإزالة الكولسترول من مجرى الدم. وبالرغم من أنه كان من المعتقد في البداية أن المستقبلة للجسيم (LDL) قد تلعب أيضا دورا في تجميع الدهون داخل الخلايا الرغوية للإصابات التصلبية العصيدية، إلا أنه قد ثبت أن الحالة ليست هكذا. فالسبب الأول هو إن إفراز مستقبلة الـ (LDL) مثبط (Suppressed) في الخلايا المحتوية على مستويات عالية من الكولسترول، والتي يجب أن تمنع البلعميات الكبيرة أو خلية العضلة الملساء في النهاية من تجميع دهون كثيرة خلال عملية تحولها إلى خلية رغوية. وقد لاحظ "براون" و "جولدشتاين" كذلك أن المرضى الذين لديهم غياب وظيفي (Functional Absence) في مستقبلة (LDL) لا يزالون يجمعون إستر الكوليستريل (Cholestry Ester) داخل البلعميات الكبيرة الموجودة في اللويحات التصلبية العصيدية. وقد انحلت المعضلة عندما بين "براون" و "جولدشتاين" أن هناك مستقبلة (LDL) من نوع آخر تسمى بالمستقبلة الكانسة (Scavenger Receptor) موجودة على البلعميات. ومع ذلك يثبت في النهاية أن المستقبلة الكانسة لا تربط جسيمات (LDL) الطبيعية، وبدلا من ذلك فإن المستقبلة الكانسة تتعرف على جسيمات (LDL) المؤكسدة. ومنذ ذلك الوقت فقد تم توضيح أن الخلايا البطانية وخلايا العضلات الملساء تفرز هي الأخرى المستقبلات الكانسة على سطوحها. ويتسبب الـ (LDL) المؤكسد كذلك في إفراز العوامل الكيميائية الجاذبة (Chemotactic Factors) والتي قد تجذب البلعميات الكبيرة إلى الحيز تحت البطاني. وقد اقترح "شتاينبرج" أن مضادات الأكسدة الطبيعية قد تكون مستنفذة (Depleted) في الحيز تحت البطاني وأن جسيمات (LDL) المحبوسة في الداخل قد تؤكسدها الخلايا الموجودة في الآفة. ومن المشوق معرفة أنه يمكن تخفيض معدلات التصلب العصيدي بين الحيوانات التي أطعمت أغذية عالية الكولسترول بإضافة مضادات التأكسد إلى أطعمتها. وهذا أساس الاقتراح الحديث نسبيا بأنه يجب أن تكون مضادات التأكسد جزءا من الغذاء البشري للوقاية من حدوث التصلب العصيدي وأمراض القلب. |
|
العلاجات المستقبلية: |
|
إن أحد التطورات الحديثة وأكثرها تفاؤلا في أبحاث التصلب العصيدي هو تطوير النماذج الفأرية (Mouse Models). فالنماذج الحيوانية الأخرى -كالأرانب والجرذان والخنازير والرئيسات (Primates)- لها قيود، إما من حيث الدرجة التي يشابه المرض فيها التصلب العصيدي في الإنسان، أو من حيث تكلفة الحفاظ على هذه الحيوانات. ولم يكن ممكنا أبدا، حتى الآونة الأخيرة، إمكانية رفع مستوى الكولسترول ارتفاعا كافيا لفأر طبيعي لكي يصاب بالتصلب العصيدي. ولكن الفئران المعدلة عن طريق الهندسة الوراثية (Genetically Engineered)، ليس لديها هذه القيود. وتأتي التطورات الحديثة من مختبرات جامعة "روكفللر" في نيويورك، إذ هندسوا فأرا فيه التشفير الجيني (Gene Coding) لصميمة البروتين (ApoE) ليس ظاهريا بل معطل(Knocked out). ويعد هذا من الأهمية بمكان، بسبب أن (ApoE) يكون موجودا عادة على سطح البروتين الشحمي متوسط الكثافة وكذلك على بقايا الدقائق الكيلوسية (Chylomicrons)، حيث أنه مسئول عن تصفية هذه الجسيمات عن طريق الوساطة المستقبلية. وفي غياب الـ (ApoE) فإن البروتينات الشحمية لن تزال، ويؤدي هذا في النهاية إلى زيادة جسيمات (LDL) وارتفاع مستويات الكولسترول في الدم. وتكتسب الفئران المعطلة المغذاة غذاء طبيعيا مرض التصلب العصيدي وبالإمكان تسارع تفاقم المرض إذا أطعمت الفئران غذاء نسبة الدهون فيه عالية، ويثبت في النهاية أن التصلب العصيدي لهذه النسخة المعدلة من الفئران يشابه المرض البشري. وللتصلب العصيدي للفأر المعطل أهمية كبرى بسبب أنه يمدنا بنموذج حيواني محكوم (Controlled) لكي نقيم به تأثيرات إفراز الجينات (المورثات)على عوامل النمو ومحركات الخلية البروتين الدهني. وتبشر التقنيات الحيوية الجزيئية كذلك بتقديم طرق جديدة لمنع أو لعكس عملية التعصد. وقد قام باحثو معهد "ماساتشوستس" للتقانة (MIT) حديثا باستعمال مضادات الحس قليلة النوويدات (Antisense Oligonucleotides)، وهي مفاصل قصيرة للدنا (DNA) والتي ترتبط بالرنا (RNA)، وبذلك تمنع إفراز البروتين المشفر له من قبل الرنا (RNA)، وقد اتخذوا الجينات كأهداف لعدة جزيئات، من ضمنها اثنتان من مورثات بادئة الورم وبروتين خلية هيكلية، وهو البروتين العضلي (Myosin) وكذلك بروتينا نوويا مرتبطا بإعطاء الإشارة للانشطار الخلوي. وجدير بالملاحظة، أن كل واحدة من مضادات الحس قليلة النوويدات هذه قد استطاعت أن تثبط بقوة نمو خلايا العضلات الملساء في أورطية الجرذان بعد حدوث إصابة للبطانة الوعائية. وقد يكون استعمال مضادات الحس قليلة النوويدات طريقة للتحكم في النمو الزائد في خلايا العضلات الملساء اللاحق لبعض العمليات الجراحية. فمثلا، تستعمل القثاطر البالونية روتينيا لفتح شرايين تاجية مسدودة بالضغط على إصابة تصلبية عصيدية. وللأسف، فإن مثل هذا الشكل من رأب الشريان يعطي نتائج مؤقتة في كثير من الحالات بسبب أن ما يقارب من نصف الشرايين تفسد ثانية بعد هذا الإجراء بسبب تسارع نمو خلايا العضلات الملساء. وقد تكون مضادات الحس قليلة النوويدات مفيدة في هذه الحالات -في تثبيط هذا النمو الزائد- ومع ذلك فإنها لن تكون ذات فائدة عملية في الوقاية طويلة المدى ضد المرض لأنه يجب أن تستعمل تلك الجزيئات على مدى عقود عدة من الزمن. وهناك منافذ أخرى تشمل استعمال عوامل صيدلانية تقلد (Mimic) الشكل وليس الوظيفة لبعض الجزيئات الطبيعية. فمثلا، مقلد صميمة البروتين غير العاملة قد يتنافس مع صميمة البروتين الطبيعية لكي يربطها بمستقبلتها، ولذلك تمنع حدوث تجمع الدهون في الثلم الشحمي. وفي دراسة حديثة للفئران المصابة بعوز في الـ(ApoE)، فإن إدخال مورثة لواحدة من صميمات البروتين الرئيسية للـ(HDL) قد قلل تماما من قابلية الحيوان للإصابة بالتصلب العصيدي. وتظل أسئلة كثيرة غير مجابة بخصوص العمليات الخلوية و والجزيئية في التصلب العصيدي. ومع ذلك فإن الإنشاء عبر الجيني للنموذج الفأري للتصلب العصيدي، وإمكانية تثبيط نشاط بعض الجينات بعينها قد سارع الخطى من إنتاجية الأبحاث الحديثة، وهكذا فهناك احتمال كبير لتطوير منافذ علاجية حديثة في هذا العقد. |
|
Bibliography:
|
|