الترجمة الآلية وإزالة حواجز اللغة
د. إيهاب عبد الرحيم محمد


نحن نعيش الآن بداية ثورة ستغير العالم: فستقربنا تكنولوجيا الترجمة الآلية (Automated translation) بصورة كبيرة من إيجاد نظام اتصالات عالمي، مع المحافظة في الوقت نفسه على ثراء وجمال التنوع اللغوي والثقافي.

 

تقدم سريع في تقنيات الترجمة.

 متى سيحدث ذلك؟

استخدامات النظام SATS في المستقبل.

النتائج الاقتصادية للترجمة.

الصدام والتماسك الثقافي.

 

وتتمثل أداة هذا التحول في نظام الترجمة الآلي التزامني (SATS) (SATS: Synchronous automated translation system)، والذي يتم تطويره حاليا من قبل عدد من شركات الحاسوب.
وعلى عكس الترجمة التقليدية، والتي يتوجب على المتحدث فيها أن يتوقف كل بضعة جمل أثناء قيام مترجم فوري بشري بالترجمة، سيوفر النظام الآلي ترجمة فورية (Instantaneous). وستكون هذه الترجمة «تزامنية» (Synchronous) بحيث لا يشعر المتحدث أو المستمع بأية فواصل زمنية محسوسة.


وسيكون النظام الجديد «آليا» (Automated): حيث سيعتمد برنامجا حاسوبيا متطورا (الذكاء الصناعي) لا يحتاج إلى أي تدخل بشري. وبهذا يمكن دمجه في بيئتنا الاجتماعية في أي نوع من الآلات أو التقنيات تقريبا.
وستكون «ترجمة» النظام نقلا صحيحا من لغة إلى الأخرى فيما يتعلق بالإعراب (Syntax)، والعبارات الاصطلاحية (Idiom)، والصوتيات (Phonetics)، وفيما يتعلق بالنص، بالهجاء (Spelling) أيضا.
ويعني «النظام» أن المستخدم لن يتعامل مع برنامج أو وسيط منفرد، بل مع شيء بالغ التشابك؛ أي أن المستخدم سيكون متصلا دون خطأ بمديولات (Modules) أخرى للترجمة. ونتيجة هذا هائلة، إذ أنه بمجرد تثبيت وتشغيل البرنامج (SATS)، فلن يكون بحاجة إلى أي تدخل بشري إضافي لتنفيذ مهمته ــ حتى ضمن بيئة تتطور فيها اللغة باستمرار.
وفي عالم الشبكات المستقبلي، سيتم ربط جميع الوسائط (Media) لا سلكيا، بحيث يكون النظام SATS متوافرا للحديث اليومي الطبيعي وليس فقط لترجمة النصوص. وعندما يقوم المستخدم بتحميل (Download) أحد أنظمة ترجمة النصوص، فسيصل إليه بأحدث التحسينات التي أدخلت عليه، بما فيها أحدث الكلمات الجديدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإذا واجهت أحد الأنظمة SATS مشكلة في ترجمة شيء ما، فسيقوم على الفور بإرسال تساؤل (Query) فورا إلى جميع النظم SATS الأخرى حول العالم (بالضبط كما نفعل اليوم بأسئلة محركات البحث[Search engines] على شبكة الإنترنت)، لمعرفة ما إن كان أي من النظم SATS الأخرى لديه ترجمة مقنعة. إن التكنولوجيا المستبطنة لذلك موجودة بالفعل في متناول يدينا من حيث المبدأ: حيث يقوم موقع الإنترنت «أتوميكا» (www.atomica.com) بتوفير تعاريف قاموسية فورية وغيرها من المعلومات المحدثة، في الوقت الحقيقي، لأي تعبير موجود في وثيقة برنامج معالجة الكلمات أو شبكة الإنترنت الخاص بك، طالما أنك متصل بالإنترنت.

وباعتبار أن هناك من 5,000 إلى 6,000لغة في العالم، فليس هناك نظام SATSمنفرد يمكنه أن يترجم جميع هذه اللغات إلى بعضها البعض. ولكن، استنادا إلى مبدأ الإنترنت، يمكن أن يعرض النظام SATS العالمي وحدات قياسية لغوية متخصصة، تماما كما أصبحت الموسيقى قابلة للتحميل (downloadable) عبر مواقع الإنترنت مثل نابستر (Napster).

 
 
 
تقدم سريع في تقنيات الترجمة:
تمكن الخبراء في السنوات الأخيرة من تحقيق تطورات هامة في تكنولوجيا الترجمة الآلية.
إن التوليد الصناعي للحديث1 يستعمل اليوم على نطاق واسع في مساعدة دليل الهاتف، والتسويق المباشر، واتصالات خدمات العملاء. وتنخفض نسبة خطأ الكلمات في أنظمة التعرف الآلي على الصوت2، بعامل من اثنين كل سنتين، وهذه التكنولوجيا تظهر الآن في المنتجات التجارية مثل السيارات العالية الفخامة وأجهزة الاتصال الشخصية (Personal communicators).

وتستخدم الترجمة النصية أيضا على نطاق واسع، خاصة على شبكة الإنترنت. على سبيل المثال يقوم الموقع «سمكة بابل»(http: // babelfish. altavista. com/translate. dyn) بترجمة صفحات الإنترنت الكاملة آليا بين 19 زوج من اللغات الإسبانية والإيطالية، والألمانية، والفرنسية، والإنجليزية، والبرتغالية. كما أن ترجمة الحديث (Speech translation) قد حققت مؤخرا خطوات واسعة هامة: فالجمعية العالمية3(C-STAR II) ، أو جمعية الأبحاث المتقدمة لترجمة الحديث في موقع الويب (www .c-star.org ) قد أتقن برنامجا للترجمة محدد الموضوع الذي مكن من إجراء اجتماع فوري عن بعد (Teleconferencing) بين العلماء الألمان، والفرنسيين، والإيطاليين، والكوريين الجنوبيين، واليابانيين، والأمريكيين.

وستكون التطورات المستقبلية على النظام SATS أكثر روعة كنتيجة لأبحاث الذكاء الصناعي التي تركز على الشبكات العصبية (Neural networks)، والمعالجة المتوازية (Parallel processing)، والمنطق الضبابي (Fuzzy logic) وهذه المقاربات تمكن «البرامج الذكية» من أن تعلم نفسها من خلال التجربة والخطأ، تماما كما يتعلم الطفل السير ــ لكن بسرعة عالية، ولمدة 24 ساعة يوميا، بدون توقف. وفي النهاية، فإن هذا التعليم الشامل للنظام سيجعل النظام SATS كلي العلم فيما يتعلق بإمكانيات الترجمة خاصته. وسيتم إيجاد حلول للعديد من المشكلات اللغوية والتقنية، ليس فقط من خلال الرامج الأكثر تطورا، لكن أيضا من خلال التحسينات الأكثر عمومية في بيئة الوسائط وعالم الفضاء التخيلي (السيبرسبيس: Cyberspace) سعة موجية (Bandwidth) أعظم، سرعة أكبر، واتصالات أفضل.
 
 
 

متى سيحدث ذلك؟:
يقترح التطور المستمر في قوة الحواسيب أن أنظمة الترجمة الآلية العالية المستوى ستكون شغالة في المستقبل القريب.
وهذا التقييم يستند جزئيا إلى قانون مور (Mooreصs Law) بخصوص مضاعفة قوة الحواسيب كل 18 شهرا. وقد

أعلنت شركة IBM من قبل أنه سيكون لديها حاسوب فائق (Supercomputer) بسرعة تيرافلوب (Teraflop) (واحد تريليون عملية في الثانية) شغال قبل عام2005 ، مما يقترب من قدرات العقل البشري في معالجة المعلومات المعقدة، وهو ما يمثل قاعدة للذكاء الصناعي الحقيقي. وإذا افترض المرء، كقاعدة عامة، أن أجهزة الحواسيب الشخصية اليوم تساوي في قوتها الحواسيب الفائقة التي كانت موجودة قبل 15 عاما، إذن علينا أن نرى النظام SATS البدائي الأول قبل حوالي العام 2015.

ومن بين الأسباب المهمة الأخرى للتفاؤل، هناك سبب مالي: فمن بين الشركات التي تستثمر في الترجمة الإلكترونية، هناك شركات كبرى مثل فيليبس، وسيمينس، وIBM، وإنتل، ومايكروسوفت، والتي تدرك أن النظام SATS سيكون له مستقبل مربح. وفي الوقت الحاضر، فإن صناعة تمييز الصوت و الحديث الصناعي وحدها تمثل 1.3 بليون دولار كحجم سنوي للمبيعات.

وتعتمد هذه الإمكانية الاقتصادية بشكل كبير على حقيقة أن عالم الفضاء التخيلي يتحرك نحو عصر اللاسلكي؛ فالنظام SATS سيكون قابلا للانتقال بدرجة كبيرة، بحيث يمكن المستخدمين من العمل في أي مكان. وعلاوة على ذلك،فإن التصغير (Miniaturization) المتنامي لأجهزة الحاسوب، يزيد بدوره من الاستعمالات المحتملة، والإمكانية الاقتصادية، للأنظمة SATS. وأخيرا، فإن الترابطية (Interconnectivity) الفورية للشبكات ستمكن النظام SATS المحلي أن يعمل في المستويات التي قد تكون مستحيلة إذا لم تكن مرتبطة بالشبكة.

 
 
 

استخدامات النظام SATS في المستقبل:
في المستقبل، ستكون جميع أجهزة الحاسوب وكل أشكال الوسائط (Media) مجهزة بأنظمة الترجمة الآلية.
كما أن جميع أنظمة الهواتف العالمية ــ والتي يتضاعف استخدامها بالفعل كناقل رئيسي لوسائط المعلومات الجماعية (Mass infomedia) ونقل البيانات من شخص إلى آخر ــ ستزود بدورها بالنظام SATS. وعليه فإن أي شخص يشاهد الڤيديو، أو يستمع إلى المذياع، أو يقوم بتحميل المعلومات من شبكة الإنترنت، سيتلقى المادة المطلوبة بلغته الخاصة بغض النظر عن لغة الأصل؛ فالنظام SATS المدمج يقوم بالترجمة بشكل مستمر.
إذا وجدت نفسك في أرض أجنبية، في وقت يكون فيه كل شيء في عالمنا تقريبا يشغَّل بالتعليمات الصوتية (Voice-activated)، ستحتاج ببساطة لأن تقول «افتح الباب» بلغتك المحلية وسيفهم النظام SATS الداخلي الرسالة. وكذلك، فلكي تقود سيارة ولفتح صنبور الماء الحار، ستقول (21 درجة مئوية، ضغط متوسط، رجاء).
وللاتصالات الشخصية،سيقوم نظام الهاتف بترجمة المحادثات باللغات الخاصة لكل من المتصل والمتلقي، إما بمعرفة اللغة التي يستخدمها كل رقم للهاتف أو عن طريق التلقين بواسطة الكلمات الأولى لكل متحدث. للمحادثة المباشرة بين أناس يتحدثون بلغات مختلفة، فمن الممكن أن يربط هاتف نقال صغير (ربما على شكل قرط Earring) إلى النظام SATS، لكي يمكن الناس من أن يقرأوا النصوص في بيئة اجتماعية؛ مثل إشارات الشوارع، ولوحات إعلانات، وواجهات المحلات. سيتم تثبيت النظام SATS في نظارات الشخص أو عدساته اللاصقة؛ فالإشارة في فرنسا، والمكتوب عليها بالفرنسية «باريس، 8 كيلومترات» ستظهر على عدسة الأمريكي بالإنجليزية هكذا «5 أميال إلى باريس».
ومن المحتمل أن أنظمة الترجمة الآلية لن تصل إلى مستوى الترجمة الصحيحة بصورة مطلقة، لكن حتى المترجمين من البشر لن يتمكنوا من تحقيق ذلك. إن السؤال الحقيقي هو ما إن كان النظام SATS سيتمكن من أن يترجم المعاني الأعمق لثقافة ما إلى الأخرى بنفس المستوى العالي الذي يقوم به اليوم أفضل المترجمين البشريين.
سيتمتع النظام SATSببعض المزايا على المترجمين البشريين؛ إن أفضل المترجمين اليوم قادرون على الترجمة الممتازة لثلاثة إلى خمس لغات؛ لكن الذاكرة والتشبيك (Networking) غير المحدود للنظام SATS سيمكنانه من أن يترجم لغات أكثر من ذلك بكثير في أي وقت بعينه. وستؤدي هذه الميزة إلى توسيع الترجمة إلى اللغات والثقافات التي هي إما صغيرة جدا أو هامشية لدرجة لايمكن معها أن يوجد لديها عدد معتد من المترجمين البشريين الخبراء اليوم.
يجب أن يكون النظام SATS قادرا على أن يضيف إلى ترجمته الفورية العنصر البصري الذي لا يمكن أن يوفره المترجمون البشريون اليوم (باستثناء بعض الإشارات ــ لغة الجسد ــ البدائية). وفي المستقبل، ستتم معالجة مشكلة الترجمة عبر الثقافية (Cross-cultural) في بيئة متعددة الوسائط حيث سيتم تعزيز الترجمة اللغوية للتعابير الصعبة على وجه الخصوص، والأشياء الغريبة، والمفاهيم غير العادية، بالأنواع المختلفة من الوسائط البصرية المستقبلية الأكثر قابلية للفهم الثقافي المشترك. فمواطن الإسكيمو الذي يقرأ عن اليابان سيكون قادرا على أن «يرى» حبة الأرز التي لا توجد في مجتمعه.
وباختصار، فإن مشكلة الترجمة الدقيقة، والملائمة ثقافيا سوف لن تختفي أو تحل بالكامل بواسطة النظام SATS. وعلى أية حال، فإن التطوير والاستعمال المتزايد للنظام SATS ــ حتـى إذا لـم يكن قريبا من الكمال مطلقا ــ لا زالا يمثلان تحسنا ملحوظا لحالة الصمت الجماعي بين اللغات، أو عدم الفهم الذي يوجد اليوم بين أغلبية سكان العالم.
النظام SATS: التأثيرات والنتائج السياسية:
 

تمثل اللغة مهيجا سياسيا جديا في العديد من البلدان، وفي بعض الأماكن تكون المسبب الرئيسي للخلاف. وفي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، فإن التكلم باللغة الإنجليزية مقابل اللغة الأفريقانية (Afrikaans) مقابل لغة البانتو، قد يخلق احتكاكات سياسية حادة. ومن الممكن أن تساعد البيئة التامة للنظام SATS على تلطيف مشكلة «حرب اللغات» هذه؛ إذ سيمكِّن النظام SATS جميع الأطراف على استمرار استعمال لغاتهم الخاصة، حتى في المحادثة مع المجموعات اللغوية الأخرى، بدون أن تتعرض الوحدة الوطنية للخطر،وبدون أن تشعر الأقليات بالقلق بشأن الاختفاء التدريجي للغاتها.


وسرعان ما تتطور الأزمات الدولية اليوم، لأن وسائل الاتصال الفورية تطبق ضغوطا هائلة على زعماء الحكومات
للاستجابة الفورية للمشكلات. وباستخدام النظم SATS ذات الخط الساخن، يمكن لزعماء العالم أن يتصلوا مع بعضهم البعض بشكل مباشر، بدون الأعباء الفورية واللوجستية، والأمنية للمترجمين. وبهذه الطريقة، يمكن تلطيف العديد من المشكلات السياسية المحدودة النطاق، بشكل سريع قبل تصعيدها إلى أزمات دولية تامة.
وفي عالم الدبلوماسية، فإن الفروق الطفيفة في معاني الكلمات يمكن أن تتخذ أهمية سياسية كبرى، كما أن سوء التفاهم الناتج عن خطأ الترجمة (Mistranslation) قد يتسبب في كارثة. وربما كان قصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي في عام 1945 هو المثال الأكثر تطرفا لذلك. فقرب نهاية الحرب العالمية الثانية، استجاب رئيس الوزراء الياباني للعرض النهائي الأمريكي للاستسلام غير المشروط بإعلان أن حكومته ستهَّدة (Mokusatsu) الطلب. ولهذه الكلمة معنيان: «أن تفكر في، أو تدرس» و«أن ترفض الإنذار». وقد اختار مترجمو اللغة الإنجليزية اليابانيون أنفسهم هذا الاستعمال الأخير؛ لذا فقد سمع العالم أن اليابان رفضت العرض النهائي الأمريكي، بدلا من أنها تقوم بدراسة العرض، وعليه فقد تلى ذلك قصف هيروشيما وناجازاكي.


وفي عالم اليوم، لم نسمع تقريبا عن مترجم أوقف زعيم حكومة في منتصف الجملة لكي يسأله عن المعنى الدقيق لما قاله للتو. لكن النظام SATS لن يعاني من أي وخز نفسي للضمير نتيجة لذلك الفعل ــ كما لن يتورع عن أن يحذر المتلقي بخصوص غموض الترجمة، بحيث يمكنه هو أن يسأل الزعيم للتوضيح.
وربما تزيد أنظمة الترجمة الآلية من معدلات الهجرة الدولية في المستقبل. فبينما تزداد العقبات الأخرى أمام الهجرة، مثل تكلفة أجرة الطائرة وخطر عبور الحدود غير الشرعي، يكون العامل الأكثر أهمية في حسابات المهاجر هو اللغة، فبدون معرفة اللغة المحلية، فمن المؤكد أن السنوات القليلة الأولى في بلد جديد ستكون شاقة للغاية. وعلى أية حال، فباستخدام الأنظمة SATS العالمية كمصدر للمعلومات، ستقل كثيرا المشكلات التي تكتنف العثور على عمل في بلد أجنبي، لأن جميع وسائل الإعلام والمحادثة المحلية يمكن أن تترجم بشكل فعال.
ولسوء الحظ، فلن يكون الامتصاص (Absorption) الاقتصادي مترافقا بالضرورة بتمثيل (Assimilation) اجتماعي. واليوم، فإن أولئك الذين لا يتكلمون اللغة المحلية يعتبرون دخلاء. وفي حين قد تتحسن حالتهم الاقتصادية القصيرة الأمد، فإن وضعهم الدوني في المجتمع العام يبقى كما هو عليه ــ مما يقلل فرصهم للحركة الاقتصادية لأعلى. وفي المستقبل، يمكن أن يساعد النظام SATS في توفير إغاثة اقتصادية لملايين من المهاجرين، بينما يبقي على ضعفهم السياسي الاجتماعي. وعلى المدى القريب إلى المتوسط، قد تؤدي تجمعات المهاجرين الذين يحتفظون بلغاتهم المحلية إلى زيادة معدلات رُهاب الأجانب (Xenophobia) محليا، كما يمكن أن يرى اليوم بالفعل في صعود التجمعات السياسية مثل الجبهة الوطنية الفرنسية، والنازيين الجدد الألمان، واليمين المتطرف النمساوي. وفي المستقبل القريب، ستحتاج العديد من الاقتصاديات الأكثر تقدما في أوروبا واليابان لجذب أعداد ضخمة من العمال الأجانب من أجل أن يعوضوا بشكل سريع انخفاض عدد السكان من الشباب. وهكذا، فبدلا من حدوث التكامل اللغوي والثقافي في النهاية، قد يستلزم مستقبل النظام SATS المزيد من التشتت اللغوي بين الأمم المهاجرة، مما يؤدي إلى اضطرابات سياسية حادة.
لكن هناك مستقبل سياسي آخر محتمل، وفيه تختفي نهائيا فكرة «التفوق اللغوي» ذاتها. وإذا استمرت عولمة الاتصالات الحالية بنفس السرعة، فسيقوم كثير من الناس بالتواصل يوميا عبر شبكة الإنترنت مع أشخاص من ثقافات مختلفة، والذين يتحدثون لغات أخرى. وفي هذه المحادثات المتواسطة (Mediated) بالنظام SATS، سيشترك «كل شخص» في نفس المنزلة اللغوية. إن الأجنبي بيننا، والذي يتحدث إلينا محليا من خلال وساطة النظام SATS، قد يشبهنا عن قرب عندما نتصل على الساحة العالمية.

 
النتائج الاقتصادية للترجمة:  

النتيجة الاقتصادية الأكثر وضوحا للترجمة الآلية ستكون نهاية مهنة الترجمة في خاتمة المطاف.وبالإضافة إلى ذلك، فستتأثر سلبا أغلب الأعمال المساعدة المتعلقة بالترجمة، مثل واضعي المعاجم والناشرين.
ويمكننا أن نشهد أيضا انخفاضا ملحوظا في فصول والمواد المتعلقة باللغات الأجنبية الموجهة للجمهور، والفناء الاقتصادي لتلك القطاعات المتعلقة بتدريس اللغات الأجنبية.فبدلا من استيفاء متطلبات المعرفة بلغة ثانية، سيتمكن الطلاب من التركيز على «الدراسات بين الثقافية» لتعويض النقص في المعرفة اللغوية المباشرة للشعوب الأخرى.

إن المدخرات الناتجة عن تقليل تكلفة الترجمة ستكون هائلة. على سبيل المثال، نجد أن مؤسسات الاتحاد الأوربي تنفق اليوم نحو نصف ميزانياتها التشغيلية على الترجمة، ويمثل هذا فقط أعمال الترجمة المنفذة فعليا، وليس الترجمات التي كان يجب أن تنجز لكنها لم تنفذ لأسباب متعلقة بالميزانية. ويستخدم الاتحاد الأوربي حوالي 2,000 مترجم يقومون بالترجمة من وإلى11 لغة. وحتى اليوم، تنجز 10% تقريبا من ترجماته آليا، وتتزايد تلك النسبة سريعا.
ومن شبه المؤكد أن النظام SATS سيؤدي إلى توسع هائل في السياحة الدولية. هاك سيناريو محتمل: في المطار المحلي، سيكون كل سائح يصل مزودا بجهاز للنظام SATS ــ وهو صندوق ترجمة صغير مزود بسماعات وميكروفون صغير ومجموعة من سماعات الترجمة. وسيظل السائح طوال رحلته في ذلك البلد يتحدث بلغته الخاصة؛ إذ أن صوته سيترجم بصورة فورية إلى اللهجة المحلية. وستمكنه السماعات، بطبيعة الحال، من أن يسمع المواطنين بلغته هو، بينما يتحدثون بلغتهم المحلية. وليس هذا ضربا من الخيال العلمي: فهناك جهاز نقال لترجمة الحديث تحت التطوير من قبل مختبرات الأنظمة التفاعلية لجامعتي كارنيجي ميلون وكارلسروهه منذ عام 1995.
وسيفتح النظام SATS أسواقا واسعة لإنتاج الأفلام والتلفزة الوطنية، بما فيها سوق البلدان الناطقة بالإنجليزية، وهي السوق الأكبر خارج الصين والهند. وهناك قيد التطوير برامجيات (Software) تحاكي حركات فم الممثل إلى حوار بلغة مختلفة. وباعتبار أن تكنولوجيا الصوت الصناعي متطورة بالفعل في الوقت الحالي، أكثر الأفلام المستقبلية ستكون مترجمة بشكل رخيص وبسهولة إلى اللغات المحلية، مع دبلجة آلية محكمة للأصوات المركبة (Synthesized) للنجوم
المحليين. وحتى إنتاجات المسرح المحلية بأية لغة ستكون أكثر وصولا بكثير إلى العالم الواسع المجهز بالأنظمة SATS.
وبمجرد أن يزيل النظام SATS العائق اللغوي، يجب أن تزيد الهجرة الدولية للعمال بمعدلات تفوق بكثير تلك الأعداد الكبيرة الموجودة اليوم، خاصة بين العمال ذوي المهارات المتدنية، وذوي التعليم المحدود الذين يفتقرون تماما لمهارات لغة البلد الأجنبي الذي يعملون فيه.


إن الفوائد الاقتصادية لهذه الهجرة واضحة؛ فسكان العالم الثالث العاطلين عن العمل سيكون لديهم فرص أكبر للعثور على عمل مربح وذي مردود عال نسبيا. وسيتمكن العالم المتقدم، من الناحية الأخرى، من اجتذاب العمالة اللازمة للأشغال الصعبة أو المملة التي يمتنع السكان المحليون عن تنفيذها.
وهناك سيناريو اقتصادي بديل: حيث يتم توظيف عمال الاتصالات المهرة من بلدان العالم الثالث من قبل شركات العالم الأول، ويعملون في بلدانهم الأصلية (على سبيل المثال،يقوم المبرمجون الهنود بكتابة الرموز الحاسوبية اليوم في بومباي لشركات وادي السيليكون). وهنا، فإن الفضاء التخيلي للنظام SATS، سيمثل العنصر الحاسم في مثل هذا الزواج الاقتصادي المريح، مما يزيل العائق النهائي أمام التواصل المشترك (تم إلغاء عاملي الزمن والمسافة بالفعل بفضل الفضاء التخيلي). وسيكون لمثل هذا التطور العام فائدة إضافية، هي تجنب المشكلات السياسية التي تخلقها الهجرة الفعلية للبلد المضيف، وهو ما نراه كثيراً في عالم اليوم.

 
 
 
الصدام والتماسك الثقافي:  
سيكون التأثير الثقافي الأكثر فورية للنظام SATS منصبا على اللغة ذاتها. فبمجرد أن يتوقف الناس عن تعلم، وقراءة، وسماع اللغات الأجنبية ستتوقف لغات العالم عن تلاقحها المتبادل (Cross-pollination) وباعتبار أن اللغات كانت تثرى دائما بالتأثيرات الأجنبية، فالنظام SATS يهدد بجعلها أقل دينامية بكثير في تطورها.
وعلى الجانب الموجب،يجب أن يؤدي استخدام النظام SATS إلى الإبقاء على اللغات وحفظها، خاصة تلك المهددة الآن بالاندثار بسبب انخفاض عدد متحدثيها، أو هيمنة اللغات الرئيسية. وهناك 20% إلى 40% من لغات العالم التي تحتضر بالفعل (إذ لا يوجد من يتكلمها من الشباب)؛ فهناك200 لغة فقط لديها أكثر من مليون متكلم أصلي. وقد يمثل النظام SATS منقذ اللحظة الأخيرة للعديد من اللغات القديمة حقا.
إن العالم اليوم تغمره اللغة الإنجليزية، ويبدو أن سيطرة تلك الأخيرة تتوسع وتقوي. حتى في بلدان الاتحاد الأوربي، فقد أصبحت الإنجليزية لغة إقليمية ــ قارية بحكم الواقع. وعلى أية حال، يمكن للنظام SATS أن ينهي سيطرة اللغة الإنجليزية. فكما أن اختراع المطبعة أنهى سيطرة اللغة اللاتينية في العالم الغربي بتمكين الانتشار السريع للهجات المحلية، من الممكن حدوث نفس الشيء تقريبا للغة الإنجليزية كنتيجة لتطبيق الأنظمة SATS، حيث أن منطق الترجمة العالمية يتجه للمحافظة على اللغات المحلية. ومن غير المحتمل أن يبذل الناس في بيئة عالمية للنظام SATS، الجهد اللازم لتعلم لغة أجنبية، خاصة تلك الصعبة مثل الإنجليزية. والسؤال في جوهره متعلق بالتوقيت: هل تصبح السيطرة اللغوية للإنجليزية غير قابلة للنقض (Irreversible) قبل أن تحصل الأنظمة SATS على قوة راسخة؟ وعلى اعتبار أن الإنجليزية يتم التحدث بها كلغة أم من قبل نحو 10% فقط من سكان العالم اليوم، فمن الصعب أن نراها تغمر العالم بحلول عام 2020، عندما تبدأ الأنظمة SATS في قلب المد ضد اللغة الإنجليزية.
تتمتع الترجمة الآلية بالإمكانية العميقة إما لأن توحد الأيديولوجيات والقيم العالمية، أو أن تخلق المزيد من التباين اللغوي. وبالإضافة إلى المحافظة على اللغات، يمكن للنظام SATS أن يحافظ على التنوع الثقافي ويغنيه (النصوص، الأزياء، المناسك الدينية، الأغاني) بينما في نفس الوقت يقرب العالم معا بصورة معيارية أكثر أساسية. مع تنامي الاتصالات حول العالم، يمكننا الوصول تدريجيا لأن نفهم ونستلهم قيم ومبادئ بعضنا البعض.
إن القدرة المحسنة للنظام SATS، والتي تتيح لكل شخص أن يفهم ما يقوله الآخرون ويعتقدون به، يمكنها أن تدفع حضارات العالم المتعددة نحو إجماع أكبر على الأفكار والقيم الرئيسية للقرن الحادي والعشرين. لكن التنوع اللغوي المحدث بالنظام SATS يمكن أن يساعد أيضا في المحافظة على الثقافات المحلية: فاللغة هي الصمغ الذي يحفظ الثقافة المحلية متماسكة ــ وعند المحافظة على اللغة، يتم أيضا الحفاظ على الملامح الأخرى للثقافة.
 
 
الكلمة الأخيرة:  

من الممكن أن تكون أنظمة الترجمة الآلية إما عاملا طاردا (Centrifugal) يفتت العالم أو قوة جاذبة (Centripetal) تزيد من قرب الثقافات بعضها من بعض. ومن الممكن تماما حدوث الاتجاهين في نفس الوقت.
وستعزز الأنظمة SATS تلك القوى بعد الصناعية (Postindustrial) الرئيسية الأخرى لعصر المعلومات ــ مثل وسائل الإعلام الجماهيرية، والمنظمات متعددة الجنسيات، والمشكلات العالمية المتبادلة، والهجرة الدولية ــ والتي ستقودنا بلا هوادة إلى المزيد من التكامل العالمي. ومن الناحية الأخرى، فسيكون للنظام SATS ميل عميق للتنويع، مما يمكن كل ثقافة من أن تحفظ هويتها الخاصة.
ومن المشكوك فيه أننا سنصل إلى هذا التوازن دون حدوث اضطراب في الأنظمة الاقتصادية والسياسية، والثقافية العالمية. وعلى الرغم من كون فائدتها ستتحقق في الغالب على المدى البعيد، فإن ثورة النظام SATS ستكون هائلة. ويجدر بنا أن ننظر إليها هكذا، وليس كمجرد واحدة من أعاجيب التكنولوجيا الحديثة.

 
 



*Bibliography:
- References for this article are available from ACMLS on request .