|
أبو حيان الغرناطي
( 1 - 2 )
فيلسوف الأدباء ( نفحة من الأندلس )
إعداد : مركز تعريب العلوم الصحية - دولة الكويت
العالم الأديب: أبو حيان الغرناطي
كنية «أبي حيان» يتنازعها اثنان من أشهر الأعلام الأفذاذ، كل منهما إمام في فنه،
رأس في تخصصه، أما أحدهما فهو أبو حيان التوحيدي الذي يعتبر نابغة أهل المشرق في
الأدب والفلسفة، حتى أطلق عليه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، وأما الآخر فهو أبو
حيان الغرناطي صاحب "البحر المحيــط" فــي التفســير، كما كان إمــام عصــره في
النحو والتفسير والحـديث، جـاء مـن غـرناطــة إلـى مصـر واسـتقر بهـا فأشاع فيها من
علمه وفضله؛ وهو ما جعل الدنيا تقر وتنعم بإمامته وأستاذيته.
مولده ونشأته
في إحدى ضواحي مدينة غرناطة الأندلسية ولد «أثير الدين محمد بن يوسف»، الذي عرف بأبي حيان في
(آخر شوال 654 هـ = 19 من نوفمبر 1256م)، وبها نشأ وتعلم، فكان متردداً على حلقات العلم المنتشرة في
المساجد، وكانت غرناطة آنذاك كبرى حواضر العلم الأندلسية، بعد أن انحسرت دولة
الإسلام وتقلصت أراضيها في الأندلس،
فبدأ دراسة الفقه والحديث، كما مالت نفسه إلى النحو واللغة والقراءات، فأقبل عـلى تعـلمهـا بهمـة عـاليــة
ورغبة شديـدة،
وتتــلمـذ عـلـى يد أبـي جعفـر بـن الزبيـر، وابـن أبـي الأحـوص، وأبـي الحـسـن الأبـذى، وأخـذ القـراءات
عــن أبي جعفر بن الطباع، ودرس الفقه والأصول والحديث والتفسير.
ولم يكتفِ أبو حيان بما حصل، بل طاف في بلاد الأندلس يقابل الشيوخ الأعلام، ويتتلمذ
عليهم، فرحل إلى مالقة والمرية، ثم بدأت رحلته الكبرى إلى بلاد المشرق.
رحلته إلى الشرق
خـرج أبـو حيان من موطنه إلى المشرق شابًا في الخامسة والعشــريــن مــن عمــره،
ســنـة (679 هـ = 1280م) فنـزل بجاية وتـونـس والإسكندرية، ثم رحل إلى مكة، وأدى
بها فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، فدخلها في سنة (695 هـ = 1295م). وهذه الرحلة
الطويلة قضاها في طلب الحديث واللغة والنحو القراءات، فلا ينزل ببلدة إلا اتصل
بشيوخها وتلقى عنهم، ولهذا كثرت شيوخه كثرة مفرطة.
ولم يشتهر أحد بكثرة الشيوخ مثلما اشتهر أبي حيان، ويشير هو إلى ذلك بقوله: «وجملة
الذين سمعت منهم أربعمائة شخص وخمسين، وأما الذين أجازوني فعالم شديد الكثرة من أهل
غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقيا وديار والحجاز والعراق والشام»،
وقد ذكر المقري في «نفح الطيب» شيوخ أبي حيان والكتب التي درسها عليهم. استقراره في القاهرة نزل أبو حيان
القاهرة تسبقه شهرته في النحو وتمكنه من القراءات، وبراعته في اللغة، وكانت القاهرة
تعيش فترة من أزهى فتراتها العلمية،
فاستقبلت الوافد الجديد استقبالاً حسنًا، ولم تضن عليه بما يستحقه من تقدير وإكبار، فأسندت إليه تدريس
الحديث في المدرسة النصورية، وفي الوقت الذي صار فيه شيخًا يُشار إليه بالبنان كان
تلميذًا فـي حلقـة العـالم الكبير بهاء الدين ابن النحاس يتلقى عليـه القــراءات،
فـلما توفى ابن النحاس خلفه أبو حيان فــي حلقتــه، وجـلــس مـكـانــه لإقــراء
النـاس القـرآن، وعهد إليه بتدريس النحو في جامع الحاكم بالقاهرة سنة (704هـ =
1304م).
وفي القاهرة طالت به الحياة، واتسعت شهرته، وتحلق حوله طلاب العلم من كل مكان، وكان
ابن حيان يعجب بطلابه الأذكياء فيحنو عليهم ويساعدهم ويتودد إليهم، لا يمنعه جلال
منصبه ولا عظم هيبته أن يفعل ذلك معهم، فتألق بعضهم في حياته ونال منزلة كبيرة، مثل
تقي الدين السبكي الفقيه الشافعي المعروف، وجمال الدين الإسنوي الفقيه المؤرخ، وابن
أم قاسم، وابن عقيل قاضي القضاة، وبرهان الدين أبو إسحاق السفاقصي، وكمال الدين أبي
الفضل الأدفوي، صاحب كتاب «الطالع الصعيد»، الذي ألفه امتثالاً لرغبة شيخه أبي
حيان، وصلاح الدين خليل ابن أيبك الصفدي الذي ترجم لشيخه ترجمه وافية في كتابيه
«الوافي» و«أعيان العصر».
ولم يكن عند أبي حيان مطمع في منصب أوجاه مثلما كان يفعل بعض العلماء، ولكنه استغنى عن ذلك بالانشغال في
تحصيل العلم وتدريسه، والإخلاص في نشره، ولم يجد في غيره لذة وسعادة كالتي يجدها
حين يقرأ كتاباً أو يطالع مسألة من العلم، وعبر هو عن ذلك بأبيات رقيقة من الشعر،
قال فيها:
أعاذل: ذرني وانفرادي عن الورى
فلست أرى فيهم صديقًا مصافيًا
نداماي كتب أستفيد علومها
أحباي تغني عن لقائي الأعاديا
وآنسها القرآن فهو الذي به
نجاتي إذا فكرت أو كنت تاليًا
وفي الوقت الذي أعرض فيه عن السعي وراء المناصب كان ذو الجاه والسلطان يرجون ودَّه
ويطلبون صداقته، فكانت علاقته مع نواب السلطنة والسلاطين أنفسهم جيدة، وكانت له
صداقة خاصة مع الأمير سيف الدين أرغون كافل المملكة المصرية، وكان يتبسط معه في
الحديث، وكان الســلطان الناصر قلاوون يجله ويعظمه، وله في نفسه مكانة لا تدانى.
وقد بلغ من مكانته وتقدير الناس له أنه مدح كما يمدح الأمراء والسلاطين، لا رغبة في
نوال ولا طمعًا في مال، وإنما مدح مديح المحب لمن يعرف قدر من يمدحه، فهو يمدح
اختيارًا لا اضطرارًا، وممن مدحه من أهل الأدب محيي الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان
الرسائل في مصر، وصدر الدين بن الوكيل، ونجم الدين الإسكندري، والقاضي ناصر الدين
شافع، وخليل من أيبك الصفدي.
وقد فطن إلى هذه الظاهرة صدر الدين بن الوكيل حين زاره ابن حيان في منزله فلم يجده، فكتب له على مصراع
الباب ما يفيد أنه حضر للزيارة، فلما جاء ابن الوكيل وقرأ ما كتبه ابن حيان على
الباب قال:
قالوا: أبو حيان غير مدافع
ملك النحاة، فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود: وإنني...
شاهدت كنيته على المصراع..
|